أسامة عفيف
في الطريق إلى محافظة صعدة اليمنية، لا تكفي هويتك ولا وثائقك الرسمية للسماح لك بالدخول إليها، بل أنت بحاجة إلى “كفيل” من أبناء المحافظة ممن تثق به جماعة “الحوثي”، يضمنك ويقدم التعهدات بأنك لن تتفوه بما لا يرضي الجماعة، كما أنك لن تلتقط أي صور تذكارية بأي شكل من الأشكال، وبكل تأكيد لن تزور أحداً هناك دون إذن مسبق.
هكذا تحولت محافظة صعدة في زمن جماعة “الحوثي”، المدينة التي خرج منها عبد الملك زعيم الجماعة، وقاد انقلاباً دموياً على الدولة عام 2014، باتت اليوم منطقة مغلقة أمام المواطن اليمني نفسه، وتخضع لأجهزة رقابية وأمنية مبنية على هيكل تنظيمي من السلالة الحوثية الهاشمية، لا يتحرك فيها شيء دون معرفة وموافقة “السيد” أو أحد مشرفيه هناك.
وبالوقت الذي تسوّق جماعة “الحوثي” نفسها كحركة مقاومة تدافع عن المقهورين في أصقاع الأرض، تفرض على المواطنين في صعدة قيوداً لا تخطر على بال إنسان، تمتد هذه القيود من حرية التنقل، إلى مراقبة تفاصيل الحياة اليومية للناس، وليس انتهاءً بتتبع سلوكيات الزوار الذين تٌفرض عليهم رقابة شديدة، منذ دخولهم وحتى المغادرة، هذا إن غادروا أصلاً.
ومن خلال هذه المادة، يتم تسليط الضوء على واقع هذه المدينة المقهورة، والتي غدت ثكنة أمنية، خاضعة لقبضة جماعة “الحوثي”، يتعرض فيها المزارعون للابتزاز، وتُصادر فيها حريات الناس، كنا تتصاعد حالات الاعتقال ضد المدنيين، في ظل صمت محلي ودولي مريب، عن واحدة من أكثر المناطق قمعاً في اليمن.
صعدة مدينة مغلقة
تحولت محافظة صعدة، معقل جماعة “الحوثي”، إلى منطقة مغلقة بشكل كامل، لا يُسمح بدخولها إلا لمن يحمل تصريحاً خاصاً من مشرفي الجماعة، حيث يخضع الزائرين لعمليات تفتيش دقيقة على امتداد النقاط المنتشرة على مداخل المحافظة، قبل السماح لهم بالتحرك ضمن نطاق جغرافي محدود وتحت رقابة صارمة.
في صعدة، توجد مناطق محرّمة على السكان والزوار على حد سواء، مناطق لا يقترب منها أحد، كونها تحولت إلى مراكز لتخزين الأسلحة التي نهبتها جماعة “الحوثي” من معسكرات الجيش اليمني منذ الانقلاب، وأخرى خصصت لتعديل الصواريخ وصناعة الألغام، بما في ذلك أنواع محرّمة دولياً، وفق مراقبين.
وفي عمق هذه المناطق المغلقة، يتحصن فريق خاص يتبع عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة، يتولى إدارة الملف الأمني والعسكري للجماعة، ويُشرف على آلية التحكم والسيطرة في المحافظة، التي باتت تدار بعقلية أمنية مغلقة.
مناطق التهريب على الحدود الشمالية لمحافظة صعدة، بدورها لم تعد مفتوحة، إذ تم تحويلها إلى ممرات خاصة بجماعة “الحوثي” فقط، تسيطر عليها شبكات التهريب المرتبطة بقيادات من الجماعة، تستخدمها لنقل الممنوعات وتوفير مصادر تمويل غير مشروعة.
وفي مديريتي ضحیان وسحار، كشفت مصادر محلية لموقع “الحل نت”، عن بناء سجون سرية، تُستخدم لاحتجاز المعارضين السياسيين أو أولئك الرافضين لسلطة الجماعة.
إسرائيل تقصف الحديدة من البحر.. جماعة “الحوثي” تجر البلاد إلى هاوية جديدة
وعلى وقع هذا المشهد الأمني القاتم، تشهد صعدة منذ بدء الغارات الأميركية على جماعة “الحوثي”، في 15 آذار/ مارس الماضي، حملة اعتقالات واسعة، ضد كل من لا ينتمي للجماعة، أو يُظهر ملامح الرفض لسياساتها، كما أن الحملة ما تزال مستمرة حتى اليوم، في ظل صمت مطبق من المنظمات الحقوقية الدولية، وتعتيم كامل على ما يجري داخل هذه “المنطقة المعزولة” وفق المصدر.
صعدة رهينة بيد “الحوثي
ومع تركزّ أنظار الناس إلى العاصمة اليمنية صنعاء بعد الانقلاب باعتبارها مركز الثقل لجماعة “الحوثي”، فقد تُركت محافظة صعدة رهينة بيد الجماعة، بعيدة عن الأنظار، وتحولت إلى واحدة من أكثر المناطق اليمنية قمعاً وانتهاكاً لحقوق الإنسان، وسط تعتيم إعلامي ممنهج منذ سنوات تمارسه الجماعة، جعل ما يجري هناك خارج نطاق الاهتمام المحلي والدولي.
ناشط سياسي بارز من أبناء المحافظة، فضّل عدم الكشف عن اسمه قال لموقع “الحل نت”، إن المجتمع في صعدة هو الأكثر معاناة على الإطلاق من بطش جماعة “الحوثي” وقسوتها، مؤكداً أن “الجميع هناك يعاني.. القمع لا يستثني أحداً، وكل من يرفض مشروع الحوثيين يجد نفسه بين قضبان السجون أو في مرمى الاتهامات الجاهزة”.
وبحسب المصدر، يتعرض الأهالي في صعدة لانتهاكات متعددة الأوجه، تشمل الاعتقال والتنكيل والتشهير والابتزاز، وتُستخدم فيها تهم معلّبة مثل “العمالة للخارج”، أو “رصد إحداثيات للعدو”، أو حتى تلفيق قضايا أخلاقية تهدف لإسكات الأصوات المعارضة، وكسر معنويات السكان ودفعهم إلى الرضوخ خوفاً على حياتهم وكرامتهم.
يوضح الناشط اليمني “حتى المغتربون خارج اليمن يتم ابتزازهم عند تحويل الأموال لأهاليهم، ويتم استدعائهم فور عودتهم لقضاء إجازاتهم للتحقيق معهم، وكأنّهم أدوات تمويل خارجي لزعزعة الأمن”.
ووفقاً للناشط، فإن كل من يشغل المناصب الأمنية في صعدة ينتمي حصراً إلى من يسمّون أنفسهم “السادة”، في إشارة إلى ذوي النسب الهاشمي الموالي للجماعة.
التصنيف :
تقارير