في مدينةٍ قايضت خبزها بالحرية، وأسندت ظهرها إلى جدار الصبر طوال سنوات الحصار العجاف، تظلّ تعز — “الحالمة” كما يعرفها اليمنيون وجوارهم — تحلم بدولةٍ عادلة ومستقبلٍ يليق بتضحياتها، حتى وهي تعيش مفارقة الحلم والحصار، والأمل والإهمال.
ومع ذلك، لم تخرج هذه المرة لتشكو شحّ الماء، أو عتمة الكهرباء، أو انقطاع الراتب، أو التمييز الجائر بين المرابطين وغيرهم؛ لم تكن صرختها مطلبية بالمعنى الضيق، بل كانت موقفًا سياديًا بامتياز؛ خروجٌ يتجاوز أسوار الحيّ ليتأمل اضطراب المحيط، ويعيد تعريف الصراع من زاوية الوعي القومي الشامل.
لقد اختارت تعز التضامن مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج والأردن في لحظةٍ إقليمية مفصلية، حيث تتقاطع التهديدات وتشتدّ التحديات. لم يكن بيان المسيرة مجرد صياغة عاطفية، بل قراءة استراتيجية متقدمة؛ إذ أدركت الحالمة أن ما يجري ليس توترًا عابرًا، بل مشروع هيمنة عابر للحدود، يوظّف المليشيات كخناجر لتمزيق سيادة الدول وتقويض السلم العربي.
بهذا الاصطفاف، نقلت تعز الحدث من إطار التضامن الرمزي إلى فضاء “الأمن القومي المشترك”، واضعةً المملكة في موقعها الطبيعي: ركيزة توازن إقليمي، وسدًّا أمام اختلال المعادلات. واستدعت “عاصفة الحزم” لا كذكرى، بل كضرورة وجودية حالت دون سقوط اليمن كاملًا في قبضة النفوذ الإيراني، وثبّتت مداميك الشرعية في مواجهة التمدد الحوثي.
إن النزعة الثأرية التي يُبديها المشروع الإيراني تجاه الرياض اليوم ليست سوى كلفة ذلك الموقف الحاسم؛ وتعز، بوفائها المعهود، تدرك أن استهداف المملكة هو استهداف لمراكز التوازن التي تسند القضية اليمنية وتحول دون انزلاقها.
ومع ذلك، لم ينجرف خطاب تعز نحو الاصطفاف الضيق؛ بل تجلّى نضجها السياسي في إدانة الغطرسة الصهيونية وحرب الإبادة في غزة والضفة، وما امتدّ من استهداف إلى سوريا ولبنان واليمن. لم يكن هذا التوازن دبلوماسية شعبية عابرة، بل بوصلة أخلاقية صلبة ترفض تجزئة العدوان أو الكيل بمكيالين، وتؤكد أن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ.
أما أولئك الذين استغربوا هذا الزخم الخارجي مقابل خفوت الحضور في قضايا الداخل الملحّة، فقد غابت عنهم حقيقة الأولويات؛ فتعز — وإن كانت مدينة ديمقراطية صاخبة بحقوقها — تدرك أن القضايا الخدمية لا تُعالج إلا في ظل “دولة”، أما حين يُستهدف كيان الدولة ذاته، فإن حماية الوجود تتقدم على تحسين شروطه.
لم تغادر تعز قضيتها في التحرير واستعادة الدولة وانتزاع مطالبها العادلة، بل وسّعت أفقها ليعانق المصير المشترك؛ إذ أدركت بعينٍ استراتيجية أن سقوط مراكز التوازن في المنطقة يبدّد، بالضرورة، فرصة اليمن في الاستعادة والتحرر.
ختامًا: خرجت تعز، الحالمة رغم جراحها، لا لتبكي أوجاعها، بل لتُسمِع صوتها وتصدّ الطعنة الكبرى في جسد الأمة. إن تضامنها مع الأشقاء ليس انحرافًا عن مسار الثورة، بل ذروة نضجها المقاوم؛ فتعز التي تحلم بدولة، تقاوم كي لا يُغتال الحلم، وتعي أن المعركة — مهما تعددت ساحاتها — عدوها واحد: من يهدد الوجود ويسعى للهيمنة، مؤمنةً أن مصير اليمن والسعودية والعرب واحد.
التصنيف :
كتابات واراء