المكتب السياسي للمقاومة الوطنية: خمس سنوات من التأسيس الاستراتيجي وبناء مشروع التحرير الوطني. د. عبدالفتاح الناحية


في الخامس والعشرين من مارس، يقف المكتب السياسي للمقاومة الوطنية أمام محطة تاريخية فارقة، تمثل مرور خمسة أعوام على تأسيسه في مدينة المخا؛ تلك المدينة التي لم تكن مجرد موقع جغرافي، بل رمزًا لاستعادة الفعل الجمهوري وانطلاق مشروع وطني يعيد صياغة معادلة الصراع في اليمن. 

ومنذ لحظة الإعلان، لم يكن هذا الكيان مجرد إضافة شكلية إلى الخارطة السياسية، بل تعبيرًا موضوعيًا عن ضرورة وطنية فرضتها طبيعة المرحلة وتعقيداتها.

لقد جاء تأسيس المكتب السياسي في سياق لحظة تاريخية حرجة، حيث كانت الدولة اليمنية تواجه تحديًا وجوديًا بفعل انقلاب مليشيا الحوثي المدعومة من إيران، وما ترتب عليه من تفكك مؤسساتي وانهيار في البنية السياسية والاجتماعية. 

وفي هذا السياق، برز المكتب السياسي بوصفه إطارًا جامعًا، أعاد الاعتبار لفكرة التنظيم السياسي المرتبط بالفعل الميداني، لا المنفصل عنه، جامعًا بين الرؤية الاستراتيجية والعمل النضالي على الأرض.

وعلى مدى خمس سنوات، استطاع المكتب السياسي، بقيادة الفريق أول ركن طارق صالح، أن يرسخ حضوره كفاعل سياسي وعسكري متكامل، حيث لم يقتصر دوره على التعبئة الخطابية، بل انخرط في معركة بناء الوعي الوطني بالتوازي مع معركة استعادة الدولة. 

وقد تميز أداؤه بقدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات العمل السياسي، ومقتضيات المواجهة العسكرية، وهو ما منح مشروعه قدرًا من المصداقية والثقة لدى قطاعات واسعة من الشعب اليمني.

إن القراءة الموضوعية لتجربة المكتب السياسي تكشف عن جملة من التحولات النوعية التي أحدثها، لعل أبرزها إعادة تعريف مفهوم “العمل السياسي المقاوم”، باعتباره نشاطًا مركبًا يتجاوز الأطر التقليدية، ليشمل الفعل التنظيمي، والتأثير المجتمعي، والانفتاح على المحيطين الإقليمي والدولي.

 كما نجح في بناء خطاب وطني جامع، يتجاوز الانقسامات الضيقة، ويؤكد على الثوابت الكبرى: الجمهورية، والوحدة الوطنية، والعدالة، وسيادة القانون.

وفي البعد المؤسسي، أظهر المكتب السياسي قدرة لافتة على بناء هياكل تنظيمية فاعلة، وإدارة علاقات سياسية متوازنة مع مختلف القوى الوطنية، دون أن يفقد استقلالية قراره أو وضوح رؤيته. كما أسهم في تعزيز الحضور اليمني في الفضاءات الإقليمية والدولية، مقدمًا نفسه بوصفه شريكًا جادًا في أي مشروع يستهدف استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

أما على الصعيد الميداني، فقد ارتبط اسم المكتب السياسي بجبهات الصمود في الساحل الغربي، حيث امتزج الفعل السياسي بالتضحية العسكرية، في معادلة تعكس وحدة الهدف والمصير. ولم يكن هذا الارتباط مجرد دعاية، بل واقعًا تجسده تضحيات مستمرة قدمها المقاتلون في سبيل استعادة الدولة وإنهاء المشروع الانقلابي.

ولم يغفل المكتب السياسي البعد الإنساني والتنموي، حيث حرص على أن يكون حاضرًا في حياة الناس، من خلال مبادرات إغاثية وخدمية وتنموية، أسهمت في تخفيف معاناة المواطنين في ظل ظروف الحرب القاسية، وهو ما عزز من شرعيته المجتمعية، ورسخ صورته ككيان لا ينفصل عن هموم الناس وتطلعاتهم.

إن معركة استعادة الدولة في اليمن ليست مجرد صراع عسكري، بل هي معركة وعي وهوية ومشروع، وهو ما أدركه المكتب السياسي مبكرًا، فعمل على إعداد الأرضية السياسية والاجتماعية لهذه المعركة، باعتبارها معركة مصيرية لا تخص اليمن وحده، بل تمتد آثارها إلى الأمن القومي العربي برمته.

وبعد خمسة أعوام من التأسيس، يمكن القول إن المكتب السياسي للمقاومة الوطنية لم يعد مجرد مكون سياسي ناشئ، بل تحول إلى أحد أعمدة المشروع الوطني لاستعادة الدولة، بما يمتلكه من رؤية واضحة، وأدوات فاعلة، وقاعدة شعبية متنامية. وهو اليوم يقف أمام استحقاق تاريخي، يتمثل في الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الحسم، حيث تتكامل الجهود السياسية والعسكرية لتحقيق الهدف الأسمى: تحرير العاصمة صنعاء، وإنهاء الانقلاب، وإعادة بناء الدولة اليمنية على أسس العدالة والمواطنة المتساوية.

إن خمس سنوات من العمل المتواصل لم تكن مجرد زمن عابر، بل كانت مرحلة تأسيس عميقة لمشروع وطني كبير، مشروع يضع الحرية في صدارة أولوياته، ويجعل من استعادة الدولة مدخلًا وحيدًا لتحقيق السلام والاستقرار. وفي هذا السياق، يظل المكتب السياسي للمقاومة الوطنية أحد أبرز تجليات الإرادة اليمنية الصلبة في مواجهة الانقلاب، وأحد أهم أدوات العبور نحو مستقبل يستحقه اليمنيون.

*عميد مركز الدراسات والبحوث جامعة الحديدة

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال