بين تصريحات دونالد ترامب المتقلبة —التي انتقلت من الحديث عن انخراط دول الخليج في القتال، إلى انتقاد حيادها رغم تعرضها لضربات مستمرة منذ أسابيع من قبل إيران— وسلوك إيران الذي يدير الاستهداف في “المنطقة الرمادية”: نفيٌ انتقائي، وصمتٌ محسوب، وتلويحٌ دائم بتوسيع الضربات بذريعة دعم واشنطن، يتكشف مشهد لا يحتمل التأويل؛ حيث تتحرك جماعة الحوثي خارج منطق الدولة، وتبني مواقفها على إيقاع التصعيد، لا على ثبات الرؤية أو اتساق التحالفات.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه إيران أن استهدافها يقتصر على القواعد والمصالح الأمريكية، مع نفيٍ انتقائي يشمل دولاً بعينها، يندفع الحوثي لتبني روايات متناقضة؛ بل ويستدعي تصريحات أمريكية —ومنها ما صدر عن دونالد ترامب— ليحوّلها إلى أداة للتحريض، مطالبًا دول الخليج بالرد والتكذيب، رغم أن الوقائع الميدانية تُغني عن ذلك وتكشف بوضوح اتجاهات الاستهداف.
غير أن التطور الأبرز يكشف عمق الأزمة؛ إذ جاء إعلان عبد الملك الحوثي الليلة، مع المواقف السابقة التي صدرت عن المشاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى للحوثيين، ليحسم الالتباس، ليس عبر تقديم رواية متماسكة، بل من خلال تكريس منطق التعبئة العابرة للحدود. فالإشادة بإيران بوصفها “الدولة الوحيدة المتضامنة رسميًا”، مقرونة بالإعلان عن الاستعداد الدائم للانخراط فيما يسميه “واجبًا جهاديًا”، واستخدام هذا الخطاب لتصوير أي مواجهة للنظام الحوثي على أنها نصراً له، لا تُفهم في سياق تضامن سياسي تقليدي، بل في إطار إعادة تعريف الصراع ذاته: من نزاع داخلي ذي أبعاد سياسية إلى معركة أيديولوجية مفتوحة تتجاوز الدولة وحدودها.
وهنا يتضح دور المشاط في تصعيد الخطاب؛ إذ طالب السعودية بتنفيذ ما يسمّونه “الشروط الحوثية”، مهددًا بانتزاعها بالقوة، ويحوّل أي موقف أو تصريح دولي إلى ذريعة لتأكيد مشروع التصعيد واستمرار الحرب، مع تصوير ذلك على أنه حق مشروع، في حين يفتقد أي مصداقية سياسية أو استنادًا إلى منطق الدولة.
تتضح آلية التوظيف التي يقوم عليها هذا الخطاب؛ إذ لا يعود التناقض بين نفي طهران واتساع دائرة الاستهداف عائقًا، بل مادة قابلة لإعادة الصياغة بما يخدم استمرار التوتر. فكل رواية —سواء صدرت عن حليف أو خصم— تتحول إلى أداة تعبئة، تُعاد هندستها لتبرير التصعيد لا لتفسير الواقع.
هذا السلوك ليس ارتباكًا سياسيًا عابرًا، بل نمط متكرر يقوم على توظيف أي رواية، بغض النظر عن مصداقيتها، طالما تخدم هدف إبقاء حالة التوتر قائمة.
هنا يفقد الخطاب معياره الأخلاقي، ويتحول من أداة للتفسير إلى محرك للتعبئة، بما يوحي بأن الجماعة ماضية نحو دفع اليمن إلى مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة مما هو عليه الآن.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين يُربط مفهوم “الحقوق” بسقف تصعيدي غير محدود؛ فالدعوة لانتزاع الحقوق كاملة، المقرونة بالتحذير من “نفاد الصبر”، لا تُقدَّم كمسار نحو السلام، بل كذريعة لإدامة الحرب واستئنافها.
أما الحديث عن “بناء الدولة”، فهو من أكثر المفاهيم تعرضًا للتفريغ؛ إذ يُختزل في تطوير الآلة العسكرية، دون أي حضور حقيقي للعقد الاجتماعي، أو الدستور، أو التعددية، أو المساءلة، أو حتى قبول الآخر.
في هذا الإطار، لا يعود توصيف “الانقلاب” مجرد وصف سياسي، بل يصبح توصيفًا دقيقًا لحالة خروج مركّب: خروج على الدولة، وانخراط في تحالفات إقليمية مُضرّة باليمن، وخروج على منطق السياسة ذاته. فالمشكلة لم تعد في تعدد الروايات، بل في عقلية لا تبحث عن تسوية، بل عن ذريعة دائمة لاستئناف الحرب وتوسيع الصراع وإعادة إنتاجه.
ختامًا، وفي ظل هذا المشهد، يصبح الطريق إلى استقرار اليمن أكثر تعقيدًا؛ فالتمرد والانقلاب لا يكتفي بتقويض الدولة، بل يسعى لإعادة تشكيل موازين القوى عبر توظيف أي حدث أو تصريح لتوسيع دائرة الصراع. وهذا يستدعي موقفًا حازمًا ومتقدمًا من الدولة الشرعية وشركائها الإقليميين والدوليين: ضبط التصعيد، حماية المكتسبات، وتعزيز أفق الحلول السياسية قبل أن تتحول ديناميات الحرب إلى مأزق يصعب الخروج منه. فاليمن بحاجة إلى رؤية واضحة حاسمة، وإلى سلطة شرعية تملك قرار السلم والحرب، لا أن تُجر إلى أجندة إيرانية، ولا إلى روايات تحرّض على الفوضى، وإلى بناء دولة تتجاوز خطاب القوة إلى منظومة سلام وعدالة مستدامة.
وجمعة مباركة
التصنيف :
كتابات واراء