ليست المشكلة في ظاهر المشهد، بل في بنيته العميقة. فما يبدو تناقضًا بين خطابٍ أمريكي متشدد تجاه إيران، وبين سياسات تسمح لها بهوامش اقتصادية، ليس ارتباكًا عابرًا، بل انعكاسٌ لتعقيدٍ استراتيجي تُدار فيه الصراعات لا لحسمها، بل لإعادة توزيع كلفتها وأدوارها.
منذ أكثر من أربعة عقود، تُقدَّم العقوبات على إيران بوصفها أداة ضغط قصوى، لكنها لم تُفضِ إلى تغييرٍ جذري في سلوك النظام، بقدر ما أسهمت في إنتاج اقتصادٍ موازٍ أكثر قدرة على التكيّف والالتفاف. وفي المقابل، فإن السماح الجزئي بتدفق النفط الإيراني في لحظات التوتر لا يُقرأ كتراجع، بل كأداة لضبط توازنات سوق الطاقة، حيث تتقدم اعتبارات الإمداد على شعارات الصراع.
غير أن جوهر الإشكالية لا يكمن في من يُستهدف، بل في كيفية توزيع كلفة الاستهداف.
فإيران—المُستهدفة نظريًا—تتعرّض لضغوطٍ مستمرة، لكنها تحتفظ بهوامش حركة اقتصادية وسياسية. وفي المقابل، تبقى دول الخليج—بحكم موقعها في قلب منظومة الطاقة العالمية—تحت ضغطٍ مباشر: تهديد للممرات البحرية، واستهداف للبنية التحتية، وتقلبات حادة في الأسواق.
وفي خضم التصعيد، تتصاعد التهديدات المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، باعتباره شريانًا حيويًا للطاقة العالمية، بينما تتباين مواقف الحلفاء الغربيين، وعلى رأسهم الاتحاد الأوروبي، بين الدعوة إلى احتواء التصعيد وتجنب الانخراط المباشر في كلفته العسكرية.
أما الخطاب الأمريكي—بما فيه التصريحات المرتفعة السقف الصادرة عن شخصيات مثل الرئيس دونالد ترامب Trump—فيعكس نمطًا من إدارة الأزمات يقوم على الضغط والتهديد، دون أن يعني بالضرورة الانتقال إلى مواجهة حاسمة، بقدر ما يهدف إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك.
هنا تتكشف معادلة أكثر دقة وقسوة:
إيران تُضغط… دون أن تُكسَر،
ودول الخليج تُستنزف… دون أن تُستهدف كليًا،
والنتيجة: الجميع داخل دائرة الصراع، لكن الكلفة لا تُوزّع بالتساوي.
فبينما تُعيد إيران التكيّف مع العقوبات، تتحمل دول الخليج العبء الأثقل: حماية الممرات، امتصاص الصدمات الاقتصادية، وتمويل كلفة الاستقرار في بيئة غير مستقرة.
أما الحديث عن “ورطة أمريكية”، فهو تبسيط مخل. فالولايات المتحدة لا تتحرك بمنطق رد الفعل، بل وفق استراتيجية تقوم على إدارة التوازنات الحرجة:
لا انتصار حاسمًا لخصم،
ولا استقرارًا كاملًا لحليف،
بل إبقاء الجميع داخل نطاق توترٍ محسوب يُنتج نفوذًا مستمرًا.
هذه ليست فوضى… بل نظام يعمل عبر الفوضى.
وفي المقلب الآخر، يبرز دور بنيامين نتنياهو ، حيث تبدو سياسات التصعيد وكأنها ترتدّ على أصحابها. فبدل تكريس الردع وفرض معادلة الهيمنة، تتآكل هذه الرهانات مع تصاعد ردود إيرانية غير تقليدية تلامس نقاطًا حساسة، وتدفع نحو إعادة رسم ميزان القوة في الإقليم.
وهنا، لا تعود المسألة مجرد صراعٍ قابل للاحتواء، بل انزلاقٌ نحو معادلات أكثر تعقيدًا وخطورة، تتجاوز تداعياتها الاقتصاد والأمن، لتشمل مخاطر بيئية وإشعاعية تهدد استقرار الإقليم برمّته.
وهو ما يضع القوى الكبرى—وفي مقدمتها الولايات المتحدة—أمام اختبار حقيقي:
إما ضبط مسار التصعيد،
أو ترك المنطقة تنزلق نحو مستويات من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها.
ورغم أن بعض القراءات الغربية تتناول هذا المشهد بسخرية—في صورة تخفيف قيود هنا ورفع كلفة هناك—إلا أن هذا التوصيف، على بساطته، يلامس جوهر الحقيقة:
لسنا أمام حربٍ تُحسم…
بل أمام صراعٍ يُدار.
غير أن هذا النمط من إدارة الصراع يحمل كلفة استراتيجية متصاعدة، خصوصًا على دول الخليج، حيث لم تعد المخاطر طارئة، بل باتت بنيوية، تعيد تعريف مفهوم الأمن ذاته.
ومع كل جولة تصعيد، تتآكل مساحات الاستقرار، وترتفع كلفة الطاقة، وتُستنزف الموارد في حماية ما كان يُفترض أنه خارج دائرة التهديد.
وهنا يتغير السؤال:
لم يعد: من يحمي؟
بل: من يملك تعريف الحماية… حين يفقد الحليف توازنه، وينحاز، ويتراجع التزامه، بينما يتمدد التهديد بلا حدود؟
ما الذي ينبغي فعله؟
• الانتقال من ردّ الفعل إلى الفعل عبر إعادة التموضع الاستراتيجي، بما يضمن امتلاك زمام المبادرة لا الاكتفاء بإدارة الأزمات.
• بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة تقوم على التكامل الحقيقي، لا الارتهان لترتيبات خارجية متقلبة.
• تسريع التحول إلى اقتصاد ما بعد النفط كخيار سيادي يعيد تشكيل مصادر القوة، لا كمسار تنموي مؤجل.
• إعادة تعريف الصراع بوصفه شبكة مصالح متحركة، لا معادلة حلفاء وخصوم ثابتة، بما يتيح مرونة أعلى في بناء الشراكات وإدارة التوازنات.
في الخلاصة:
ليست الحرب على إيران وحدها،
ولا على الخليج وحده،
بل نحن أمام استهدافٍ مركّب لكليهما…
لكن بطريقة تجعل بعض الأطراف تتكيّف،
وأخرى تدفع الكلفة الأكبر.
السؤال الحقيقي لم يعد: من المستهدف؟
بل:
من يدفع الثمن أكثر؟
ومن يملك القدرة على إعادة توزيع هذا الثمن… قبل أن يُفرض عليه موقعه في هذه المعادلة؟
التصنيف :
كتابات واراء