على رصيف الوجع اليمني وبينما تتداعى جدران الحقيقة تحت ضربات التضليل تبرز المراكز الصيفية الحوثية كواحدة من أخطر الأدوات الجراحية التي تستهدف استئصال الهوية الوطنية من وجدان النشئ وإعادة صياغة العقل اليمني وفق قوالب أيديولوجية لا تؤمن بالتعدد ولا تعترف بشراكة الوطن.
إننا أمام تسونامي فكري يكتسح براءة الطفولة حيث تتحول المقاعد الدراسية التي كانت يوماً مهداً للعلم والجمهورية إلى ثكنات مغلقة تُمارس فيها طقوس التجريف للدين وللهوية اليمنية الجامعة بامتياز،
لتخرج جيلاً لا يرى في الآخر إلا خصماً، ولا يقرأ في صفحات التاريخ إلا صراعات الماضي السحيق التي أُريد لها أن تُبعث من جديد في عقول وأجساد الصغار.
هذه المراكز ليست مجرد دورات ترفيهية أو دروس دينية عابرة، او دروس تقوية في مجال العلوم والمعارف بل هي مفاعلات كيميائية تهدف إلى تحويل الانتماء من الوطن الجامع إلى الجماعة الضيقة المتطرفة، ومن الدولة إلى الفرد المُنزه والمقدس.
وفي عمق هذا التحول تكمن مأساة تمزيق النسيج الاجتماعي فالطفل الذي يُلقن اليوم أن أهله ومجتمعه ضالون مُظلون ما لم يتبعوا صرخة الجماعة، ولا يسلموا للسيد بالسمع والطاعة والولاء والتصخية هو ذاته الذي سيقف غداً حجر عثرة أمام أي مشروع للتعايش أو المصالحة.
إنها عملية تدمير ممنهج لمدخرات اليمن البشرية. حيث يُستبدل القلم بالبندقية، ويُغتال التفكير النقدي لصالح الإذعان المطلق، مما يخلق فجوة فكرية ستظل تنزف لأجيال، وتُهدد بتحويل المجتمع اليمني من مجتمع مدني توّاق للحياة إلى مجتمع مليشياوي محكوم بعقيدة القتال الدائم.
ورغم الضجيج الإعلامي والترويج الواسع إلا أن الصمت الشعبي المطبق خلف الأبواب المغلقة يحكي قصة أخرى من المقاومة الصامتة فالرفض المجتمعي يتجلى في تلك الأسر التي تفضل بقاء أبنائها في المنازل أو إشغالهم بأعمال قد تكون شاقة عليهم على إرسالهم إلى هذه المحارق الفكرية، إدراكاً منها أن الثمن هو فقدان الابن لصالح وقود الجبهات.
إن هذا الموقف الشعبي رغم قسوة الظروف المعيشية والقبضة الأمنية الحوثية يمثل الاستفتاء الحقيقي على رفض المشروع السلالي الذي يحاول عبثاً أن يطمس ملامح الجمهورية في قلوب الناس.
إن الكتابة عن هذه المراكز ليست مجرد نقل لواقع، بل هي تكرار لصرخة تحذير قبل أن تكتمل عملية "تصحير العقول، فما يُزرع اليوم في تلك الرؤوس الصغيرة، هو ما سيحصده اليمن غداً دماً ودماراً ما لم تتكاتف القوى الوطنية لاستعادة العقل المختطف وحماية ذاكرة الأجيال من الضياع في دهاليز الأوهام الطائفية.
نقلا عن خبر للانباء
التصنيف :
تقارير