الحوثيون… لعنة التاريخ في اليمن عادل علي الهرش



على مر التاريخ وفي احلك منعطفاته الحاسمة، لا تظهر الجماعات الطارئة بوصفها مجرد فاعل سياسي، بل كاختبار حقيقي لوعي الشعوب وقدرتها على حماية مكتسباتها. وفي الحالة اليمنية، لم تكن جماعة الحوثي مجرد حركة تمرد عابرة، بل تجسيدًا صارخًا لارتداد تاريخي خطير أعاد إلى الواجهة مشروعًا بائدًا لفظته ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ودفنه اليمنيون بدمائهم وتضحياتهم.

إن توصيف الحوثيين بـ"لعنة التاريخ" ليس مبالغة خطابية، بل قراءة دقيقة لمسارهم وسلوكهم. فهم لم يأتوا امتدادًا لتطور طبيعي في بنية الدولة أو المجتمع، بل ظهروا ككسرٍ عنيف لمسار الجمهورية، وكمحاولة منظمة لإحياء نظام الإمامة بثوب جديد، قائم على السلالة، والحق الإلهي المزعوم، وتكريس التمييز بين أبناء الوطن الواحد.

لقد انقلب الحوثي على كل ما هو حديث في اليمن: على الجمهورية، وعلى الدستور والنظام والقانون ، وعلى فكرة المواطنة المتساوية، وعلى روح ثورة السادس والعشرون من سبتمبر ذاتها. لم يكتفِ بإسقاط صنعاء في 2014، بل أسقط معها ما تبقى من هيبة الدولة، وفتح أبواب البلاد لمشروع خارجي إيراني دخيل لا يمت لليمن بصلة، سوى استخدامه ساحة صراع وأداة نفوذ.

ولعل أخطر ما في هذه الجماعة ليس مشروعها السياسي فحسب، بل بنيتها الفكرية المغلقة التي تقوم على التلقين والتقديس وإلغاء العقل. جماعة تُربي أتباعها على السمع والطاعة، وتزرع في عقول الأطفال ثقافة الموت بدلًا من الحياة، وتجعل من الحرب قدرًا دائمًا لا مفر منه. إنها لا تعيش إلا في بيئة الصراع، ولا تزدهر إلا في ظل الفوضى والانهيار.

أما على المستوى الإنساني، فقد كانت الكارثة أكبر من أن توصف. فمنذ سيطرتهم، دخل اليمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه: فقر مدقع، ومجاعة، ونزوح، وانهيار في الخدمات، وزراعة عشوائية للألغام حوّلت الأرض إلى مصائد موت. لم يسلم إنسان، ولا حجر، ولا شجر من عبث هذه الجماعة التي جعلت من الوطن رهينة لمشروعها الضيق.

ثم يأتي البعد الأخلاقي والسياسي الأكثر انحطاطًا في شعارهم الذي يفيض بالكراهية، ويعكس عقلية الإقصاء والعداء للعالم. شعار لم يجلب لليمن إلا العزلة، ولم يقدم لشعبها سوى المزيد من الألم، فيما تتغذى هذه الجماعة وقيادتها على اقتصاد الحرب، وتراكم الثروات على حساب جوع ومعناة اليمنيين.

إن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: الحوثي ليس أزمة عابرة يمكن احتواؤها بالتسويات، بل هو مشروع هدم شامل لا يمكن التعايش معه. وكل محاولات التجميل أو التبرير أو المساومة معه لم تكن سوى إطالة لعمر المأساة وتعميقًا للجراح.

وهنا تبرز المسؤولية التاريخية للجمهوريين اليمنيين الاحرار، ليس بوصفهم تيارًا سياسيًا فحسب، بل كونهم حراسًا لفكرة الدولة، وحملةً لمشروع وطني تحرري أسسه الآباء بدمائهم. إن التحدي اليوم لا يحتمل التردد، ولا يقبل أنصاف الحلول؛ فإما أن يستعيد اليمنيون دولتهم، أو يُتركونه فريسة لهذا المشروع الظلامي الذي يلتهم كل شيء.

إن المطلوب اليوم هو تحرك جاد وحقيقي يتجاوز الشعارات إلى الفعل:

توحيد الصف الجمهوري بعيدًا عن الحسابات الضيقة.

إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية بعقيدة واضحة هدفها استعادة الدولة.

تعبئة شعبية واعية تُدرك أن المعركة ليست سياسية فقط، بل وجودية.

كسر حالة التردد والخضوع لسياسات الانتظار، والانتقال إلى المبادرة.


لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي لا تدافع عن جمهوريتها تعود قسرًا إلى عصور الاستبداد. واليمن اليوم يقف على هذا المفترق الحاسم.

إما جمهورية تُستعاد… أو لعنة تستمر.

وما بين الخيارين، لا مكان للحياد.


---

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال