تخطئ الشرعية اليمنية حين تظن أن معركتها الأساسية هي معركة إثبات المشروعية، فالمشكلة لم تعد في الاعتراف بقدر ما هي في القدرة على تحويل هذا الاعتراف إلى سلطة فاعلة، ومؤسسات حاضرة، وخطاب سياسي موحَّد. العالم يعرف، في جوهره، طبيعة الانقلاب على الدولة، لكنه ينتظر من المعسكر المعترف به دوليًا أن يتصرف كدولة، لا كمجموعة قوى متجاورة تحت سقف واحد.
ولهذا، ينبغي قراءة اللقاءات الدبلوماسية التي يجريها بعض أعضاء مجلس القيادة الرئاسي مع الأميركيين أو البريطانيين أو غيرهم بوصفها رصيدًا للمظلة الشرعية كلها، لا باعتبارها مكسبًا فرديًا لأي طرف. فالمعنى الأهم لهذه اللقاءات لا يكمن في الأسماء بقدر ما يكمن في القدرة على مخاطبة الخارج بلغة الأمن، والملاحة، والاستقرار، والإصلاح الاقتصادي؛ وهي عناصر أساسية لإثبات أن الشرعية ما تزال تمتلك قنوات فاعلة، ولم تتحول إلى كيان رمزي منفصل عن الواقع.
لكن الإشكال الحقيقي يظهر في الداخل، لا في الخارج. فالمعسكر الذي ينجح أحيانًا في إرسال رسائل مطمئنة إلى العواصم المؤثرة، يعود سريعًا إلى بعثرة رسائله داخل البلاد. والتراشق بين الإصلاح، والمؤتمر، والمقاومة الوطنية، والاشتباك المتكرر بين المكونات الجنوبية، لا يعكس تنوعًا صحيًا بقدر ما يكشف عن ضعف في إدارة التعدد داخل مشروع الدولة. وعندما تتعدد الميكروفونات المتنازعة داخل المعسكر الواحد، تبدو الشرعية وكأنها تخوض معركتين في وقت واحد: واحدة ضد الحوثي، وأخرى ضد نفسها.
من هنا، يصبح توحيد خطاب الأحزاب والمكونات المنضوية تحت سقف التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية ضرورة عملية، لا ترفًا بيانيًا. فمعركة التحرير لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمة، وبالرسالة، وبالقدرة على إقناع الداخل والخارج بأن هناك مشروعًا سياسيًا واضحًا لما بعد الحرب. والعالم لا يسأل فقط: من سيهزم الحوثي؟ بل يسأل أيضًا: من سيبني اليمن بعده؟
وعلى هذا الأساس، ينبغي فهم موقع رئيس مجلس القيادة الرئاسي بوصفه مرجعية المرحلة، ورأس المظلة السياسية التي لا تحتمل التجزئة أو التشويش على مرجعيتها. كما ينبغي فهم أدوار بقية أعضاء المجلس باعتبارهم عناصر فاعلة داخل هذه المرجعية، لا خارجها. فالرهان ليس على تنافس الأصوات، بل على انتظامها داخل معنى واحد؛ والمطلوب من الأحزاب والمكونات ليس التخلي عن حضورها السياسي، بل الارتقاء من التنافس على المنبر إلى الاصطفاف حول هدف الدولة.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى شرعيات تتجادل، بل إلى شرعية تتكلم بصوت واحد. ولا يحتاج إلى خطابات متجاورة، بل إلى خطاب جامع يربط بين معركة التحرير، ومعركة بناء الدولة الوطنية. فكل انقسام في الرسالة يضعف صورة المشروع، وكل تضارب في الموقف يمنح الخصم فرصة إضافية. أما التماسك، فهو ليس ترفًا سياسيًا، بل شرط ضروري لكي تتحول الشرعية من حالة دفاع إلى حالة فعل، ومن مظلة منقسمة إلى مشروع دولة قادرة.
التصنيف :
كتابات واراء