المؤتمر الشعبي العام ودوره السياسي على الساحة الوطنية.بشيرالخولاني.



في تاريخ الأمم، لا تُقاس الأحزاب بسنوات عمرها فقط، بل بقدرتها على التأثير، وعلى صناعة اللحظة الوطنية في مفاصل التحوّل الكبرى. ومن هذا المنطلق، يبرز المؤتمر الشعبي العام كأحد أهم الفاعلين السياسيين في اليمن، حزبٌ لم يكن مجرد إطار تنظيمي، بل حالة سياسية واجتماعية ارتبطت بمسار الدولة، وتشكلت في قلب التحولات التي شهدتها البلاد منذ أواخر القرن العشرين.
لقد تأسس المؤتمر في مرحلة حساسة من تاريخ اليمن، حين كانت الحاجة ملحّة إلى كيان سياسي يجمع أطياف المجتمع، ويؤسس لخطاب وطني جامع، يتجاوز الانقسامات الضيقة. ومنذ ذلك الحين، لعب الحزب دورًا محوريًا في تثبيت دعائم الدولة، والمشاركة في بناء مؤسساتها، ورسم ملامح سياستها الداخلية والخارجية، خاصة في عهد الزعيم الراحل علي عبدالله صالح، الذي ارتبط اسمه بالمؤتمر ارتباطًا وثيقًا، حتى بات الحزب يُعرف به كما يُعرف هو بالحزب.
لم يكن المؤتمر مجرد حزب سلطة، بل كان مدرسة سياسية خرّجت أجيالًا من القيادات، واحتضنت مختلف التيارات الفكرية، من اليمين إلى الوسط، في محاولة لصياغة نموذج سياسي يمني خاص، يقوم على التوازن بين القبيلة والدولة، وبين التقليد والتحديث. وقد مكّنه هذا التنوع من البقاء فاعلًا حتى في أحلك الظروف، رغم ما تعرض له من انقسامات وتحديات.
وعلى الساحة الوطنية، ظل المؤتمر لاعبًا رئيسيًا في مختلف المراحل: من تحقيق الوحدة اليمنية، إلى إدارة التعددية الحزبية، وصولًا إلى التعامل مع أزمات ما بعد 2011. ورغم الضربات التي تلقاها، خاصة بعد أحداث 2011 اليمنية، وما تبعها من تصدعات داخلية، إلا أن الحزب لم يختفِ، بل أعاد تشكيل نفسه في أكثر من اتجاه، محافظًا على حضوره في المعادلة السياسية.
اليوم، وبينما تعيش اليمن واحدة من أعقد مراحلها، يظل المؤتمر الشعبي العام أمام اختبار تاريخي: هل يستطيع أن يستعيد دوره كحزب وطني جامع؟ أم أنه سيظل أسيرًا لانقساماته وصراعات مراكزه؟ الإجابة على هذا السؤال لا تتوقف على الحزب وحده، بل على قدرته في قراءة الواقع، والتكيّف مع متغيراته، وتقديم خطاب سياسي يتجاوز الماضي دون أن يتنكر له.
إن دور المؤتمر في هذه المرحلة لا يجب أن يُختزل في الحنين إلى السلطة، بل في المساهمة الفعلية في إنقاذ الدولة، واستعادة التوازن الوطني، والعمل على توحيد الصفوف، بعيدًا عن الحسابات الضيقة. فاليمن اليوم لا تحتاج إلى أحزاب تبحث عن الغلبة، بقدر ما تحتاج إلى قوى سياسية تؤمن بالشراكة، وتدرك أن الوطن أكبر من الجميع.
في الختام، يبقى المؤتمر الشعبي العام، بكل ما له وما عليه، جزءًا لا يتجزأ من المشهد السياسي اليمني، لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. فإما أن يكون جزءًا من الحل، أو يظل شاهدًا على مرحلة كانت له فيها الكلمة العليا… ثم مضت.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال