تزامناً مع العيد الوطني الـ36 للجمهورية اليمنية، وفي ظل الظروف البالغة التعقيد والمنعطف التاريخي العصيب الذي يعيشه اليمن في هذه المرحلة، يستذكر اليمنيون بألم وفخر القائد المؤسس والزعيم الفذ، الشهيد علي عبد الله صالح، الذي ارتبط اسمه وجيله بصناعة هذا المنجز التاريخي العظيم وحمايته.
وفي هذه المناسبة الوطنية الغالية، تتجلى أمام أبناء الشعب اليمني حكمة هذا القائد الاستثنائي، ووطنيته الشامخة، وإصراره الصلب الذي لا يلين في مواجهة المؤامرات، وتضحياته الجسيمة التي بلغت أسمى مداها حين جاد بروحه طواعية في سبيل الحفاظ على النظام الجمهوري ومكتسبات الوحدة اليمنية.
يقف التاريخ شاهداً بأحرف من نور على المواقف العظيمة التي لا تمحوها الأيام ولا تغيرها تقلبات السياسة، وفي مقدمة هذه المواقف يتجلى الثبات الأسطوري للزعيم الشهيد علي عبد الله صالح الذي اختار أن يسطر بدمه الزكي ملحمة الوفاء الأخير للوطن، مدافعاً عن النظام الجمهوري والوحدة اليمنية المكسب الأغلى للشعب اليمني.
إن القراءة المنصفة للأحداث التي عصفت باليمن منذ مطلع العقد الماضي تكشف بوضوح الفارق الجوهري بين رجل الدولة المخلص الذي وهب حياته لخدمة شعبه وحماية منجزاته، وبين قيادات أحزاب اللقاء المشترك ومن سار في فلكهم ممن ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات للهدم والفوضى.
لقد أثبتت الأيام والوقائع المتلاحقة أن الزعيم صالح كان صمام الأمان الحقيقي لليمن، وأن كل تحذيراته الاستشرافية التي أطلقها في أوج الأزمة لم تكن مجرد مناورة سياسية بل كانت قراءة دقيقة للمستقبل المظلم الذي قادت إليه مؤامرات الخصوم.
وفي الوقت الذي تهاوت فيه الأقنعة وانكشفت النوايا المبيتة لمن تحالفوا مع قوى الظلام لتمكين المليشيات الانقلابية، ظل الزعيم شامخاً في أرضه وبين أبناء شعبه، رافضاً كل إغراءات الخروج الآمن والتخلي عن المسؤولية التاريخية، ليموت كما عاش بطلاً جمهورياً وحدوياً في متراسه بصنعاء.
صناعة الفوضى
تلوح في الأفق ذكريات عام 2011م كشرارة أولى لمخطط تدميري استهدف تمزيق النسيج الاجتماعي وتقويض أركان الدولة اليمنية المستقرة التي شيدها الرئيس صالح مع الشرفاء من أبناء الوطن على مدى عقود.
في ذلك المنعطف الخطير، تحالفت أحزاب اللقاء المشترك مع قوى التطرف والانتهازية السياسية لركوب موجة الاحتجاجات، تحت مسميات المطالب الشبابية إلى أداة لتهديم المؤسسات الشرعية والدستورية.
لقد قادت هذه القيادات الحزبية حملة شعواء قائمة على التحريض والزيف، متناسية المصلحة العليا للبلاد، وسعت بكل الوسائل غير المشروعة إلى إنتاج الفوضى وإدخال البلاد في أتون صراعات عبثية.
ولم تكتف تلك القوى بتعطيل الحياة العامة وضرب الاقتصاد الوطني، بل فتحت الأبواب على مصراعيها للمشاريع الطائفية والمليشياوية لتبدأ بالتوغل في الجسد اليمني.
إن الاندفاع الأعمى لأحزاب المشترك نحو إسقاط الدولة دون وازع من ضمير أو مسؤولية وطنية كان هو التوطئة الفعلية والسبب المباشر لكل المآسي اللاحقة التي حلت باليمن، حيث قدمت هذه الأحزاب مصالحها الضيقة وغنائمها السياسية المؤقتة على حساب أمن واستقرار ومستقبل الشعب اليمني بأسره.
حقن الدماء وتغليب الحكمة
في المقابل، تجلت عظمة الزعيم علي عبد الله صالح وحكمته اليمانية النادرة في كيفية تعامله مع ذلك المخطط التدميري، حيث أثبت أنه رجل سلام وبناء لا محب للدماء والسلطة.
ورغم امتلاكه للشرعية الدستورية الكاملة والتأييد الشعبي الجارف الذي تجسد في الملايين التي احتشدت في الساحات والميادين دعماً ومؤازرة له، ورغم سيطرته الكاملة على المؤسسة العسكرية والأمنية، إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً جر البلاد إلى حرب أهلية مدمرة.
لقد فضل الزعيم تقديم التنازلات السياسية الكبرى طواعية وحقناً لدماء اليمنيين، مبرهناً على أن كرسي الحكم لا يمكن أن يكون ثمناً لتمزيق الوطن أو إراقة قطرة دم واحدة من أبناء شعبه.
وجاء التوقيع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية كدليل قاطع على نبل هذا القائد العظيم الذي سلم السلطة بطريقة ديمقراطية وحضارية فريدة غير مسبوقة في المنطقة، واضعاً مصلحة اليمن العليا فوق كل اعتبار، وحريصاً على استمرار عمل مؤسسات الدولة والحفاظ على كيان الجمهورية والوحدة من التلاشي والانقسام.
تمكين المليشيات من مفاصل الدولة
عقب تسليم السلطة سلماً، تملصت قيادات أحزاب اللقاء المشترك من مسؤولياتها الوطنية وانشغلت بتقاسم الحصص والوظائف العامة، تاركة البلاد في حالة من التيه والضعف المؤسسي والأمني. وبدلاً من الحفاظ على المكتسبات، سارت هذه القيادات في طريق تصفية الحسابات السياسية وتفكيك الجيش اليمني الباسل تحت مسميات الهيكلة، مما أضعف القوة الدفاعية للجمهورية.
والأدهى من ذلك أن هذه القوى السياسية المنقلبة على الاستقرار دخلت في تحالفات مشبوهة وتفاهمات سرية وعلنية مع المليشيات الحوثية اللاهوتية، ظناً منها أنها تستطيع استخدام هذه المليشيا كأداة لضرب خصومها السياسيين وتصفية ما تبقى من نفوذ للمؤتمر الشعبي العام والزعيم صالح.
لقد غضت أحزاب المشترك وحكومتها الضعيفة حينها الطرف عن تمدد المليشيات من صعدة وصولاً إلى عمران، وقدمت لها الغطاء السياسي والتبريرات الإعلامية، مما سهل للمشروع الإمامي الكهنوتي تقوية شوكته وتجميع قواه للانقضاض على العاصمة صنعاء، وهو ما تم بالفعل في سبتمبر من عام 2014م، في مشهد خيانة وطنية مكتمل الأركان ارتكبته قوى الفوضى.
سقوط الأقنعة
عندما تكللت مؤامرة أحزاب المشترك بالنجاح المرير واجتاحت المليشيات الحوثية العاصمة صنعاء وانقلبت على كل الاتفاقيات والدولة والجمهورية، تخلت تلك القيادات الواهية عن شعاراتها الزائفة وعن الجماهير التي غررت بها. وفي اللحظة التي كان الوطن يحتاج فيها إلى رجال يذودون عن حياضه، فرت قيادات اللقاء المشترك والوجوه التي صنعت فوضى 2011 نحو العواصم الخارجية، تاركة الشعب اليمني يواجه مصيره تحت وطأة المعاناة والبطش المليشياوي حتى اللحظة.
لقد كشف هذا الفرار الجماعي والمخزي حقيقة هؤلاء الأدعياء الذين لا يملكون مشروعاً وطنياً حقيقياً، بل كانوا مجرد أدوات لتنفيذ أجندة هدامة، وعندما حان وقت المواجهة والتضحية، آثروا السلامة الشخصية والهروب لحماية مصالحهم وثرواتهم التي جمعوها على حساب معاناة اليمنيين، تاركين خلفهم دولة ممزقة ومؤسسات مدمرة وشعباً يرزح تحت وطأة المعاناة والظلم الطائفي.
ثبات الطود الشامخ ورفض مغادرة تراب الوطن
وسط هذه العواصف العاتية وفرار الجميع، وقف الزعيم علي عبد الله صالح كالطود الشامخ الذي لا تهزه الرياح، واضعاً نصب عينيه عهده الذي قطعه للشعب والوطن بحماية المكتسبات وفي مقدمتها الجمهورية والوحدة اليمنية العظيمة.
تلقى الزعيم عروضاً دولية وإقليمية مغرية ومتكررة للخروج الآمن من اليمن مع تقديم الحصانات والضمانات الكاملة وحماية كافة أفراد عائلته، غير أنه رفضها جميعاً بابتسامته وشجاعته المعهودة.
كان رد الزعيم قاطعاً ومزلزلاً بأنه لن يغادر أرضه التي ولد فيها وتربى على ترابها وقادها بصدق وإخلاص، وأنه سيظل بين أبناء شعبه يشاركهم المعاناة والصمود.
لقد برهن صالح على معدنه الأصيل كقائد وطني فذ لا يهرب من المعركة ولا يتخلى عن شعبه في أحلك الظروف، مفضلاً مواجهة المخاطر الجسيمة داخل العاصمة صنعاء على العيش في رغد المنافي الفاخرة، مجسداً أسمى معاني الوفاء والتضحية الوطنية والالتزام الأخلاقي تجاه تاريخه الطويل وتجاه ملايين اليمنيين الذين وضعوا ثقتهم فيه.
موقف وحدوي صلب
لم يكن ثبات الزعيم صالح مجرد بقاء جغرافي، بل كان ثباتاً على المبدأ والمنجزات العظيمة التي تحققت في عهده الميمون، وعلى رأسها وحدة الثاني والعشرين من مايو المجيد التي صانها بدمه وجهده وحكمته.
ظل الزعيم طوال سنوات الأزمة يصدح بصوته محذراً من محاولات تمزيق الوحدة الوطنية وتفتيت النسيج الاجتماعي لليمن، ومؤكداً أن وحدة اليمن هي صمام الأمان للاستقرار الإقليمي والدولي.
وقد تجلت عبقريته الاستشرافية في خطاباته المتعددة التي نبه فيها الشعب من خطر الانزلاق نحو التشرذم الطائفي والمناطقي، محذراً من عودة الحكم الإمامي الكهنوتي المتخلف الذي ثار ضده الشعب في سبتمبر وأكتوبر.
إن الواقع المأساوي الحالي الذي يعيشه اليمن اليوم من تشظٍ للسلطة وتعدد للمليشيات وانهيار للاقتصاد والخدمات يثبت بعد نظر الزعيم وصدق نواياه، ويؤكد للجميع أن كل ما حذر منه صالح قد تحقق بالفعل جراء تفريط الخصوم بالثوابت الوطنية، مما جعل اليمنيين يستذكرون عهده كفترة ذهبية من الاستقرار والبناء والوحدة والسيادة الوطنية الحقيقية.
الانتفاضة المباركة
بلغت مسيرة التضحية والفداء ذروتها في الثاني من ديسمبر 2017، عندما أطلق الزعيم علي عبد الله صالح دعوته التاريخية لانتفاضة شعبية مسلحة لتطهير العاصمة صنعاء واليمن من دنس المليشيات الحوثية الانقلابية، واستعادة النظام الجمهوري وهيبة الدولة.
في تلك الملحمة الخالدة، لم يكن الزعيم يدافع عن مصلحة شخصية أو مجد زائل، بل كان يقود معركة الكرامة والحرية نيابة عن كل اليمنيين الأحرار لإنقاذ الجمهورية والوحدة من براثن الكهنوت والطائفية.
واجه الزعيم ومعه الشرفاء المخلصون جحافل الغدر بإيمان مطلق بعدالة قضيتهم، مستبسلين في الدفاع عن العاصمة وهوية اليمن العربية والجمهورية.
وحينما حانت لحظة القدر، لم يتراجع الزعيم ولم يساوم، بل لقي ربه شهيداً مجيداً مقبلاً غير مدبر في منزله بصنعاء، حاملاً سلاحه بيده، ليمهر بدمائه الزكية وثيقة الدفاع عن النظام الجمهوري والوحدة اليمنية، واضعاً حداً فاصلاً في تاريخ اليمن بين من يضحون بأرواحهم لأجل الوطن ومن يتاجرون بقضاياه في عواصم الشتات.
الخلود في وجدان الشعب
إن استشهاد الزعيم علي عبد الله صالح لم يكن نهاية لمسيرته، بل كان بداية لخلوده الأبدي في قلوب وعقول اليمنيين في شمال الوطن وجنوبه على حد سواء. ومع مرور السنوات وتفاقم الأزمات المعيشية والأمنية والخدمية، تجلت بوضوح حالة من الندم الشعبي العارم والواسع لدى مختلف شرائح المجتمع، بما في ذلك المحافظات الجنوبية التي تستشعر بقوة حجم الفراغ الكبير الذي تركه غياب رجل الدولة القوي والوحدوي الحكيم.
يتذكر أبناء اليمن اليوم، وهم يعانون من انقطاع المرتبات وتدهور العملة والخدمات والانفلات الأمني، فترة حكم الزعيم صالح بكثير من الإجلال والتقدير، حيث كانت الدولة حاضرة ومؤسساتها فاعلة والأمن مستتباً والكرامة مصونة والوحدة تجمع الكل تحت سقف واحد.
صالح الزعيم الشهيد الثابت على القيم والمبادئ التي مات من أجلها ليظل منارة تلهم الأحرار لمواصلة السير على دربه الجمهوري الوحدوي، مؤكدين أن دماءه لم تذهب سدى، وأن ذكراه ستظل حية كقائد فذ صنع التاريخ وعاش مخلصاً ومات شهيداً شامخاً من أجل اليمن وشعبه وعزته.
نقلا عن خبر للأنباء
التصنيف :
تقارير