تضعنا الأحداث الأخيرة في محافظة تعز أمام تساؤلات أخلاقية وسياسية عميقة حول مفهوم "المواطنة الصالحة" ومعايير التضامن الإنساني لدى النخب والقوى المسيطرة.
فالمراقب للمشهد يجد نفسه أمام مفارقة عجيبة في التعاطي مع إنفاذ القانون والحملات الأمنية، حيث يبدو أن "الخلفية الأيديولوجية" هي المحرك الأساسي للاستنكار أو الصمت.
حيدر والصمدي.. شتان بين الفعل ورد الفعل
في مقارنة لافتة، يستحضر الشارع اليمني حادثة "أحمد سالم حيدر" في مديرية الوازعية، الذي واجه نقاطاً أمنية بالسلاح، ومع ذلك وجد من يدافع عنه ويبرر أفعاله، بل ويصبغ عليه هالة من الصلاح الديني، مستدلين بصيامه وتدينه (الإثنين والخميس) كصك غفران يمنحه حصانة ضد النقد أو الملاحقة، وتجعل من الحملة الأمنية ضده "جريمة مستنكرة".
وعلى النقيض تماماً، نجد الصحفي "مجلي الصمدي"، الذي لم يرفع سلاحاً ولم يقطع طريقاً ولم يستهدف منظمة، بل كل ما فعله هو ممارسة حقه في التعبير عبر منشورات تنتقد بعض الشخصيات النافذة. ورغم ذلك، لم يجد الصمدي ذلك الطوفان من التضامن حين اقتُحم منزله ورُوّع أطفاله؛ بل قوبل الأمر بصمت مطبق، وكأن لسان حال تلك القوى يقول: "اقتحام منزلك من صميم عمل السلطات الأمنية لأنك لا تملك (بندقية) تدافع بها، ولا (لحية) تشفع لك".
معايير التضامن الانتقائي.
إن هذا التباين في المواقف يكشف عن أزمة حقيقية في الوعي الحقوقي والسياسي:
المتمرد "الصالح": الذي يُدافع عنه بناءً على طقوسه التعبدية أو ولائه الحزبي، حتى وإن قرح بندقه في وجه العسكر.
المواطن "غير الصالح": وهو الكاتب أو الصحفي الذي يُعتبر اقتحام خصوصيته واجباً وطنياً لمجرد أنه "يبقبق" -حسب وصفهم- في وسائل التواصل الاجتماعي.
نصيحة مغلفة بالمرارة.
ختاماً، يبدو أن على كل مواطن في تعز، وتحديداً من يتبنون لغة النقد مثل "مجلي الصمدي"، أن يعيدوا النظر في "جدول عباداتهم" المعلن؛ ليس تقرباً للخالق فحسب، بل لعلهم يحصلون على لقب "المواطن الصالح" الذي يمنحهم الحصانة ضد المداهمات الليلية، ويجعل من صراخ أطفالهم قضية رأي عام تستنكرها المطابخ السياسية.
إن الدولة التي تفرق بين مواطنيها على أساس الولاء أو "صيام النوافل" هي دولة تؤسس لغابة، لا لمجتمع يحميه القانون.
*بتصرف من تغريدة للكاتب*
التصنيف :
كتابات واراء