من باب المندب ...اليمن يوجه رسالته الى العالم عادل الهرش


في مشهدٍ يتجاوز رمزية المناسبة الدينية، اختار اليمنيون توجيه رسائلهم المهمة من أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، باب المندب، حيث تتقاطع الجغرافيا مع المصالح الدولية. هناك، تحوّلت صلاة عيد الأضحى إلى منصة تعبير سيادي تحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز حدود المكان.

لم يكن احتشاد المواطنين في قرية باب المندب لأداء صلاة العيد، بحضور الفريق الركن طارق صالح، حدثًا اعتياديًا، بل عكس محاولة واعية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع في واحدة من أكثر النقاط حساسية على خارطة الصراع الإقليمي.

جاء ظهور نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي وقائد المقاومة الوطنية في هذا السياق، بين جموع المواطنين، ليبعث برسالة مزدوجة تؤكد تثبيت الحضور الميداني، وتعزيز الارتباط الشعبي بوصفه ركيزة لأي مشروع استقرار. فاختيار باب المندب تحديدًا يحمل دلالة استراتيجية واضحة؛ إذ إن هذا المضيق، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم، ظل خلال سنوات الحرب عرضةً لمخاطر متعددة. ومن هنا، فإن إقامة شعيرة جماعية بهذا الزخم، وفي هذا التوقيت، تؤكد أن الضفة اليمنية للمضيق ليست فراغًا أمنيًا، بل فضاءً قابلًا للاستقرار وإعادة الضبط.

الخطاب الذي رافق المناسبة لم يأتِ في إطار وعظ ديني تقليدي، بل حمل ملامح رؤية سياسية تركز على أولوية إعادة بناء الدولة من الداخل، ورفض استمرار حالة التشظي. والتلميح إلى أن إنقاذ اليمن يبدأ من توافق أبنائه يعكس إدراكًا بأن أي ترتيبات خارجية، مهما بلغت، تظل هشّة دون قاعدة داخلية متماسكة.

أما الرسائل الموجّهة إلى الإقليم، فقد تمثّلت في التأكيد على أن أمن باب المندب لا يمكن فصله عن استقرار اليمن نفسه. وهو طرح يعيد وضع المسؤولية في إطارها الصحيح: فحماية هذا الممر الحيوي تبدأ من دعم استقرار الدولة اليمنية، وتحريك المعركة لدحر مليشيا الحوثي، وتحرير الشمال، واستعادة الدولة والجمهورية وعاصمتها صنعاء، لا الاكتفاء بإدارة المخاطر في مياهه.

دوليًا، حمل المشهد بُعدًا رمزيًا مهمًا؛ فمن نقطة تمر عبرها مصالح العالم الاقتصادية، قدّم اليمنيون أنفسهم كفاعل بشري وسياسي، لا كملف أمني أو إنساني فحسب. وكانت الرسالة واضحة: اليمن ليس مجرد ساحة نزاع، بل مجتمع يسعى لاستعادة دولته وموقعه في النظامين الإقليمي والدولي.

في هذا السياق، يأتي حضور الفريق الركن طارق صالح جزءًا من محاولة صياغة معادلة جديدة: الجمع بين القوة والانخراط المجتمعي، بين السيطرة الميدانية وبناء الشرعية المحلية واستعادة بناء الدولة. وهي معادلة تمثل أحد المفاتيح المحتملة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار في المناطق الساحلية الاستراتيجية.

ختامًا:
من باب المندب، لم تكن صلاة العيد مجرد شعيرة دينية، بل تحوّلت إلى فعلٍ سياسي محسوب، اختُزلت فيه جملة من الرسائل العميقة: أن اليمن حاضر في معادلة الأمن الدولي، وأن استقراره شرطٌ لازم لأمن ممراته الحيوية، وأن إرادة استعادة الدولة ما تزال قائمة—إرادة تُعبّر عنها الجغرافيا بقدر ما يُجسّدها الإنسان.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال