تبييض التاريخ: كيف تحول "هادي" من مسؤول عن الضياع إلى ضحية بريئة؟محمد عبدالله الكميم



‏اعلم اني قد اتعرض لهجوم بسبب كلامي هذا ،وقد اخسر الكثير من قد يختلفون معي بقسوة ، بحكم العاطفة التي يتمتع بها الشعب اليمني ، لكنها الحقيقة وإبراء للذمة..

أكبر مشكلة في اليمن ليست فقط في الحكام الفاشلين… بل في الذاكرة اليمنية القصيرة التي تعيد تدوير الكوارث بعد كل مأساة.

هذا شعب قد يلعن الرجل عشر سنوات، ثم يترحم عليه في اليوم الحادي عشر بمجرد أن يموت أو يختفي من المشهد.

ولهذا لا أستغرب أبدًا أن يأتي يوم نرى فيه من يترحم حتى على عبدالملك الحوثي نفسه، ويصفه بـرجل" الدولة و المشروع والزاهد والمستهدف والمحارب والقائد الذي لم يجد الفرصة للعمل "، كما يحدث اليوم مع كثير من الشخصيات التي ساهمت في تدمير اليمن ثم أعادت العاطفة الشعبية غسل صورتها.

ومن أكثر الشخصيات التي يحاول البعض اليوم تبييضها هو الرئيس الراحل هادي .

يصورونه كرجل طيب وضعيف خانته الظروف، بينما الحقيقة أن الرجل استلم اليمن في أكثر لحظة مريحة سياسيًا لأي رئيس يمني منذ عقود.

وصل إلى السلطة بشرعية توافقية كاملة، وبإجماع داخلي ودعم إقليمي ودولي غير مسبوق.

لم تكن لديه معارضة حقيقية، لأن الجميع دخلوا تحت عباءته السياسية.

أعاد هيكلة الجيش كما يريد،  وعين من اراد وعزل من اراد، وتلقى دعماً سياسيًا هائلًا، إضافة إلى دعم التحالف العربي لاحقًا والقرارات الدولية بمرجعياتها.

كل أدوات القوة كانت بين يديه.
لكن مشكلته لم تكن قلة الإمكانيات… بل عقلية رجل ظن أنه أذكى من الجميع.

كان يعتقد أنه قادر على اللعب بكل الأطراف: إسقاط مراكز القوى، وتفكيك القبائل، وإضعاف خصومه السياسيين، واستخدام الحوثي كورقة مؤقتة لإعادة تشكيل اليمن على مقاسه.

وهنا بدأت الكارثة.
حتى عندما كان الحوثي يتمدد عسكريًا، لم يتصرف هادي كرئيس جمهورية تواجه انقلابًا وجوديًا.

وأشهد لله على ذلك:
 لم نرَ أمرًا قتاليًا حقيقيًا واحدًا منه للقوات المسلحة للاستعداد الجاد لمواجهة الحوثيين.
لم يعبّئ الجيش.
لم يحرك القبائل.
لم يستنفر الدولة.
لم يعلن معركة وطنية لحماية الجمهورية.
بل وضع نفسه في موقع المصلح والوسيط ، وكأن المسألة مجرد خلاف سياسي بسيط يمكن احتواؤه بالمجاملات والتأجيل.

كانت المعارك تدور فوق رؤوسنا حرفيًا… وهو يتفرج.

سقطت عمران برضا هادي نفسه،
وسقط الشهيد القشيبي وهو يُترك لمصيره برغبة وقبول كامل.

وسقطت صنعاء بينما كان هادي ما يزال يراهن على إمكانية التفاهم مع الحوثيين.

الرجل لم يفهم أنه لم يكن يصنع توازنات… بل كان يُدخل وحشًا عقائديًا مسلحًا إلى قلب الدولة.

والأكثر إيلامًا أن كثيرًا من القيادات السياسية والعسكرية ومحافظي المحافظات كانوا يتحدثون الي شخصياً عن معاناة حقيقية حتى في مجرد الوصول إليه.

مسؤولون يقضون أسابيع وأشهر طويلة فقط للحصول على موعد.
قيادات تأتي من الجبهات ولا تستطيع مقابلته.

محافظون يحملون ملفات انهيار اقتصادي وأمني ثم يعودون بلا نتيجة.

ومن ينجح في لقائه كان يخرج غالبًا بنفس الإجابات: "ما فيش إمكانيات ، ما معي صلاحيات ، راجعوا التحالف "!
رئيس جمهورية يحيل مشاكل الدولة إلى الجميع… إلا نفسه.

بل مرت علينا نحن اليمنيين فترات طويلة كنا نشك أصلًا أنه ما يزال حيًا.

لم نكن نطالبه بتحرير صنعاء، ولا بحسم الحرب، ولا بإصلاح الاقتصاد… كنا فقط نطالبه أن يظهر على الشاشة لنتأكد أن اليمن لا يزال يملك رئيسًا حيًا.

تخيلوا حجم الانهيار النفسي والسياسي الذي وصلت إليه البلاد: شعب كامل يريد فقط رؤية رئيسه ليتأكد أنه لم يمت، بينما الدولة تتهاوى من كل اتجاه.

وفي أخطر مرحلة من تاريخ اليمن، اختار الرجل النوم والعزلة والتردد بدل القيادة والمواجهة.

لهذا فإن اختصار كل هذه الكارثة اليوم بجملة: 
كان رجلًا طيبًا او مغلوب على أمره هو إهانة لذاكرة اليمنيين ولدماء آلاف الضحايا ولوطن ضاع.

لقد كان رئيس الجمهورية اليمنية والقائد الأعلى للقوات المسلحة ولديه كامل الصلاحيات والامكانيات والكل كان ينفذ له دون تردد بل ويتوسل رضاه وكان قادر على ضبط الملعب السياسي والعسكري كما يشاء والعالم كله معه ،لكنه اختار ان يلعب دور الضعيف وترك الملعب للاعبين بانتظار هلاكهم حتى استقووا عليه واضعفوه ،لقد مارس دور الحكم والوسيط والبقاء في المنتصف وحول قادة الجيش الى لجان فصل بين المتحاربين ،وحيدهم عن معركتهم الحقيقية ، وبعدها ادعى المظلومية وعدم قدرته على السيطرة والحكم.

الطيبة لا تحمي جمهوريات.
وحسن النية لا يمنع سقوط العواصم.

والرجل الذي امتلك الشرعية والدعم والجيش والتحالف ثم أضاع اليمن، لا يمكن تحويله فجأة إلى ضحية بريئة فقط لأن الناس تحب البكاء على الماضي بعد فوات الأوان.

رحم الله هادي كإنسان بينه وبين ربه، أما سياسيًا وتاريخيًا، فهو أحد أبرز المسؤولين عن ضياع الجمهورية اليمنية وتسليمها للفوضى والحوثيين، شاء العاطفيون أم أبوا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال