ليست كل التواريخ أرقاماً عابرة في دفاتر الزمن…
فهناك أيامٌ تتحول إلى نبض وطن، وإلى ذاكرة شعب، وإلى دمعة فرحٍ ما زالت معلقة في عيون الذين حلموا طويلاً أن يعود اليمن واحداً كما خلقه الله والتاريخ والجغرافيا.
كان الثاني والعشرون من مايو 1990 توقيع اتفاق الوحده بين زعيمين يمنيين اصيلين الزعيم الرئيس/علي عبدالله صالح ونائب الرئيس/ علي سالم البيض أكثر من مجرد إعلان سياسي…
كان لحظة مصالحة كبرى بين الجبال والسهول، بين البحر والصحراء، بين لهجتين جمعتهما لغة واحدة، وبين قلبين ظلّا ينبضان باسم اليمن رغم كل الحدود والأسلاك والخلافات.
في ذلك اليوم، لم تُرفع راية دولة فوق دولة، بل ارتفعت اليمن فوق الجميع.
خرج الناس يومها لا لأن حزباً انتصر، ولا لأن حاكماً غلب آخر، بل لأن الشعور الوطني كان أكبر من السياسة كلها.
كان اليمنيون يشعرون أن شيئاً مفقوداً عاد إليهم… كأن الوطن الذي انقسم قسراً عاد ليلملم أجزاء روحه بيديه.
الوحدة لم تكن مشروع سلطة فقط، بل كانت حلماً شعبياً يسكن الأغاني، والأشعار، وأحاديث الآباء، وحنين المغتربين، ورسائل العشاق الذين فرّقتهم خرائط السياسة ووحّدتهم هوية اليمن.
لقد فهم اليمنيون بالفطرة ما لم يفهمه كثير من الساسة:
أن الأوطان لا تُقاس بعدد الحكومات، بل بعدد القلوب التي تؤمن بها.
كان بإمكان الشمال أن يبقى شمالاً…
وبإمكان الجنوب أن يبقى جنوباً…
لكن شيئاً أعمق من المصالح كان يتحرك في وجدان اليمنيين؛ شيء يشبه القدر، ويشبه الحنين، ويشبه رغبة الأرض أن تعود أرضاً واحدة تحت سماء واحدة.
ولهذا، عندما أُعلنت الوحدة، لم يشعر اليمني أنه أمام خبر سياسي، بل أمام ميلاد جديد لوطن ظل طويلاً يبحث عن صورته الكاملة.
نعم… تعثرت الوحدة لاحقاً، وتكاثرت الأخطاء، ودخل عليها الفاسدون والانتهازيون وتجار الحروب، حتى أثقلوا ظهرها بالصراعات والأحقاد والمظالم.
لكن الخطأ لم يكن في الوحدة نفسها، بل في الذين تعاملوا معها كغنيمة لا كرسالة وطنية مقدسة.
فالوحدة ليست مسؤولة عن فساد السياسيين، كما أن الدين ليس مسؤولاً عن أخطاء المتاجرين به.
ولو سألت أي يمني بسيط، بعيداً عن ضجيج السياسة، ماذا يريد؟
لقال لك:
أريد وطناً يتسع للجميع… لا متارس تفصل الأخ عن أخيه، ولا كراهية تُقسم الناس إلى هويات صغيرة تأكل بعضها بعضاً.
لقد أثبت التاريخ أن اليمن حين يضعف، تتكاثر عليه الأطماع، وحين ينقسم، تتحول جراحه إلى سوق مفتوحة للآخرين.
أما حين يتوحد، فإنه يصبح رقماً صعباً، وحضارةً تستيقظ من رمادها، وأمةً لا يمكن تجاوزها.
الثاني والعشرون من مايو ليس مجرد ذكرى…
بل سؤال يتجدد كل عام:
هل كنا أوفياء لذلك الحلم الكبير؟
وهل حافظنا على روح الوحدة كما حافظ اليمنيون عليها في قلوبهم يوم وُلدت؟
ربما اختلفت السياسات، وتبدلت الأنظمة، وسقطت رهانات كثيرة…
لكن اليمن سيبقى أكبر من كل خلاف، وأقدم من كل المشاريع الصغيرة، وأبقى من كل الحروب المؤقتة.
لأن اليمن ليس مجرد حدود…
اليمن روح.
والوحدة كانت اللحظة التي عادت فيها تلك الروح لتتعرف على نفسها من جديد.