عاجل

‏يا مجلس القيادة.. من يحمي اليمني الذي لا يحمل بندقية؟ سمير رشاد اليوسفيhttps://x.com/i/ status/2051103280533574073


كثير من اليمنيين لا يعرفون ماذا يعني أن يعود رجل إلى بلاده وفي يده مشروع، لا بندقية. نحن منذ عقود مشغولون برجال السلطة، بمرضهم وصحتهم، بمقاعدهم وتحالفاتهم، بانقلاباتهم وحروبهم، حتى صار المواطن الذي يريد أن يزرع أو يعلّم أو يبني مشروعًا صغيرًا غريبًا في وطنه. فإذا ظهر رجل من هذا النوع، قيل له عمليًا: هذه البلاد لا تتسع إلا لمن يحمل السلاح أو يحتمي به.
وسام قائد لم يكن قائد معسكر، ولا شيخ قبيلة، ولا خطيبًا يوزع الوطنية من فوق منصة. كان رجل تنمية، أسس وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر عام 2005، ثم عُيّن عام 2019 نائبًا للمدير العام في الصندوق الاجتماعي للتنمية، ويحمل ماجستير في الصراع والأمن والتنمية من جامعة برمنغهام. أي أنه جاء من ذلك الصنف النادر الذي يدرس خراب البلاد ليبحث عن طريقة لإصلاحها، لا ليضيف إلى الخراب بيانًا جديدًا.
فماذا فعلت به البلاد؟
اختُطف واغتيل في عدن، وهو القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وفق البيان الرسمي المنشور في وكالة سبأ الحكومية. هكذا ببساطة. رجل يخرج من بيته أو يعود إليه، في مدينة تسمونها عاصمة مؤقتة، فإذا بها مؤقتة في كل شيء إلا الرصاصة. الحكومة مؤقتة، الأمن مؤقت، الوعود مؤقتة، التحقيقات مؤقتة، والغضب الرسمي مؤقت حتى يصدر بيان العزاء التالي. وحده الموت هناك دائم، ووحدها الفوضى لا تعمل بعقد مؤقت.
وسيقال لنا الآن إن الجريمة غادرة وجبانة. وهذا صحيح. وسيقال إنها اعتداء على مؤسسات الدولة والجهود التنموية والإنسانية، وهذا ما قالته الحكومة نفسها في بيانها الرسمي. وسيقال إن الأجهزة الأمنية والعسكرية وُجهت بتعقب الجناة وضبطهم وتقديمهم للعدالة دون تأخير. وهذا كلام جميل، لولا أنه أصبح طقسًا معتادًا في وداع الشهداء.
يا مجلس القيادة…
هل ستتحول الجريمة إلى خبر في وكالة رسمية، ثم إلى لجنة، ثم إلى تعميم، ثم إلى ملف نائم في درج ضابط لا يملك أمره؟ هل سنسمع بعد أيام أن التحقيقات مستمرة، ثم لا يستمر إلا خوف الناس؟ هل ستنتهي القضية كما انتهت قضايا كثيرة: شهيد جديد، بيان جديد، قاتل قديم، ودولة لا تجد نفسها إلا عند كتابة النعي؟
إن المشكلة ليست في القاتل وحده. القاتل فرد حين يضغط على الزناد، لكنه منظومة كاملة حين يستطيع أن يصل إلى ضحيته، ويختطفه، ويقتله، ثم يترك الأجهزة تبحث عن «مجهولين». من هو المجهول في اليمن؟ المجهول هو الذي يعرفه الجميع ولا يجرؤ أحد على تسميته. المجهول هو الذي يملك طقمًا وسلاحًا ونقطة وظهرًا. المجهول هو الاسم الحركي للفوضى حين تكون أقوى من القانون.
إذا كانت الحكومة لا تستطيع أن تحمي القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، فبأي وجه ستطلب من المانحين أن يثقوا بها؟ وإذا كانت عدن لا تستطيع أن تحمي رجل تنمية، فكيف ستحمي مشروع تنمية؟ وإذا كان المسؤول الذي يوقع على ملفات الفقراء والمشاريع والخدمات لا يجد من الدولة إلا بيانًا بعد مقتله، فماذا بقي للمواطن الذي لا يعرفه البنك الدولي، ولا يعرفه الوزير، ولا يعرفه الإعلام؟
لقد فقدنا حتى حقنا في أن نُقتل بوضوح. في بلاد أخرى يكون القاتل قاتلًا، والضحية ضحية، والتحقيق تحقيقًا. أما عندنا، فالقاتل «مجهول»، والضحية «فقيد الوطن»، والتحقيق «جارٍ»، والنتيجة «لاحقًا»، واللاحق لا يأتي أبدًا.
وسام قائد لم يكن خصمًا لأحد، إلا إذا صار الفقر حزبًا، والجهل جماعة، والفساد دولة. لم يكن يحمل إلا فكرة أن اليمني يمكن أن يعمل، وأن المرأة يمكن أن تنتج، وأن صاحب الورشة يمكن أن يقف على قدميه، وأن المزارع يمكن أن يبقى في أرضه. فإذا كانت هذه الفكرة تستحق القتل، فقولوا لنا صراحة: ممنوع على اليمني أن يحلم إلا بإذن المسلحين.
غير المؤكد حتى الآن، من مصدر رسمي مباشر، هو ما تداوله الناس عن تهديدات سبقت الجريمة أو عن صراع على إدارة الصندوق وحساباته. هذه معلومات خطيرة، ولا يجوز تحويلها إلى يقين قبل تحقيق رسمي أو وثيقة موثقة. لكن المؤكد أن رجلًا في موقع وطني قُتل، وأن الحكومة نفسها اعترفت بأن الجريمة اعتداء على مؤسسات الدولة، والمؤكد أيضًا أن الاعتداء على الدولة لا يواجه بالصفات: غادر، جبان، آثم، مدان. يواجه بالأسماء، والاعترافات، والمحاكمات، وكسر اليد التي ظنت أن دم موظف عام أرخص من كلفة بيان.
يا مجلس القيادة…
أنتم مسؤولون عن الأمن في عدن، ولو كانت عدن مزدحمة بالشركاء والحلفاء والأوصياء. وأنتم مسؤولون عن حياة الكفاءات، ولو كانت الكفاءة لا تملك لواءً عسكريًا، ولا قناة فضائية، ولا قبيلة مسلحة. وأنتم مسؤولون عن هذا الدم، لا لأنكم قتلتموه، بل لأن الدولة التي لا تمنع القتل تشارك في صناعة الخوف.
لا تقولوا لنا إن العدالة ستطال كل من تورط أو خطط أو ساهم. دعونا نراها تمشي على قدمين. دعونا نرى اسمًا واحدًا لا يهرب إلى قبيلته أو جماعته أو منطقته أو مموله. دعونا نرى قاتلًا لا يتحول إلى «عنصر مجهول»، ولا إلى «مطلوب أمني»، ولا إلى «فار من وجه العدالة»، وهي العبارة التي اخترعناها كي نجعل العدالة واقفة دائمًا والقاتل راكضًا دائمًا.
إن وطننا إذا أردتم له أن يبقى، بحاجة إلى أقل من الخطابات وأكثر من الدولة. بحاجة إلى شرطي يحمي رجلًا حيًا، لا إلى وزير يرثيه ميتًا. بحاجة إلى محكمة تخيف القاتل، لا إلى بيان يطمئن الضحية بعد فوات الأوان. بحاجة إلى سلطة تخجل من دم وسام قائد، لا إلى سلطة تضيف اسمه إلى سجل طويل ثم تنتظر الجريمة التالية.
فماذا تريدون من اليمني الذي لا يحمل بندقية؟
أتريدون منه أن لا يعود من جامعات العالم؟ أن لا يؤسس مؤسسة؟ أن لا يشتغل مع الفقراء؟ أن لا يقترب من المال العام إلا كناهب؟ أن يتعلم أن السلامة في الولاء، وأن الخطر في النزاهة، وأن من لا يحمل بندقية سيُحمل على الأكتاف؟
إذا كان هذا هو الدرس، فقد فهمناه جيدًا.
أما إذا كانت الدولة لا تزال ممكنة، فابدأوا من وسام قائد. لا من بيان نعيه، بل من ملف قاتله. ابدأوا من الطريق الذي اختُطف فيه، ومن اليد التي خططت، ومن الجهة التي سهّلت، ومن المسؤول الذي قصّر، ومن المدينة التي تُركت بلا صاحب.
فدم الرجل لا يطلب أكثر من عدالة واضحة، ولا أقل من أن نعرف: من قتل وسام قائد؟ ومن ترك قاتله يظن أن اليمن بلا دولة؟
حسبنا وحسبكم الله.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال