عاجل

بداية النهاية.. حصاد الخراب يلاحق فروع "الإخوان" في الساحات العربية:



تشهد الخارطة السياسية والأمنية في العالم العربي تحولات دراماتيكية متسارعة، تعيد رسم موازين القوى وتنهي عقوداً من التغلغل الممنهج لأحد أكثر التنظيمات العابرة للحدود إثارة للجدل في التاريخ الحديث.

وجاءت الأحكام القضائية الصادرة عن محكمة تونسية مختصة بقضايا الإرهاب بحق زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وعدد من قيادات الحركة، لتسلط الضوء مجدداً على حالة الانحسار والانهيار التي تعيشها فروع جماعة الإخوان المسلمين في مختلف الساحات العربية.

هذه الأحكام التي تراوحت بين سنوات طويلة والسجن المؤبد في قضية الجهاز السري، لم تكن مجرد إجراء قضائي محلي، بل جاءت كجزء من مشهد إقليمي ودولي أوسع يشير إلى أن البيئة العربية والدولية لم تعد تتقبل وجود تنظيمات توظف الدين لخدمة أجندة سياسية وهياكل أمنية موازية للدولة الوطنية.

بالتزامن مع هذه التطورات، تتنامى التوجهات داخل الإدارة الأمريكية نحو اتخاذ قرار حاسم بإعلان حزب الإصلاح، الذراع اليمنى للإخوان في اليمن، كمنظمة إرهابية، في وقت يتواصل فيه انحسار واختفاء جناح الجماعة في السودان بعد أن تسبب في تمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي للبلاد.

هذه المؤشرات المجتمعة تدفع المراقبين والمحللين إلى طرح سؤال جوهري حول ما إذا كان الوقت قد حان بالفعل لإنهاء وجود هذا التنظيم المتطرف في الوطن العربي، بعد أن ارتبط اسمه في أذهان الملايين من الشعوب العربية ومن الواقع المؤكد بملفات الخراب والصراع والدمار.

زلزال تونس القضائي 

مثلت الأحكام الصادرة في تونس ضربة قاصمة لآمال الجماعة في العودة إلى المشهد السياسي بعد سنوات من المحاولات الحثيثة لقلب الحقائق والالتفاف على الإرادة الشعبية. 

لقد أثبتت التحقيقات القضائية الطويلة والموثقة وجود ما يُعرف إعلامياً بالجهاز السري لحركة النهضة، وهو هيكل أمني واستخباراتي موازٍ كان يعمل في الخفاء بعيداً عن أعين مؤسسات الدولة الرسمية. 

وتكشف هذه القضية بوضوح العقيدة الثابتة لدى جماعة الإخوان المسلمين، والتي تقوم على عدم الثقة في مؤسسات الدولة الوطنية والسعي الدائم لبناء كيانات سرية مسلحة أو استخباراتية لحماية التنظيم وتمكينه من السيطرة على مفاصل الحكم. 

ولم يكن راشد الغنوشي مجرد رئيس لحزب سياسي، بل كان يمثل الأب الروحي والمنظر الأساسي لهذا التوجه الذي قاد تونس نحو نفق مظلم من الاغتيالات السياسية والأزمات الاقتصادية الخانقة خلال العشرية التي سيطرت فيها الحركة على البرلمان والحكومة.

وجاءت الأحكام القضائية الصارمة لتعيد الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية السيادية، وتؤكد للشعب التونسي وللعالم أجمع أن المحاسبة القانونية هي السبيل الوحيد لتطهير المجتمعات من الأفكار المتطرفة والهياكل السرية التي هددت السلم الأهلي لسنوات طوال.

 

حزب الإصلاح تحت مقصلة التصنيف الدولي

وبلا شك فإن جناح الإخوان في اليمن المتمثل بحزب التجمع اليمني للإصلاح يؤكد سياسيون وخبراء بأنه ينتهج النهج والمسار السري وسياسات الظل التي ينتهجها التنظيم عن طريق توغله وتعمقه في الحكومة الشرعية من خلال المؤسسات الحكومية المدنية والعسكرية.

كما، وفي مقلب آخر من الجزيرة العربية، يعيش حزب التجمع اليمني للإصلاح أياماً عصيبة مع تزايد الضغوط الدولية والتوجهات الجادة داخل الإدارة الأمريكية لإدراجه على قوائم الإرهاب العالمية. لقد دأب حزب الإصلاح منذ تأسيسه على ممارسة سياسة اللعب على الحبال، مستغلاً الأزمات المتلاحقة التي تعصف باليمن لتحقيق مكاسب تنظيمية على حساب المصلحة الوطنية العليا للشعب اليمني. 

وتشير التقارير الاستخباراتية والإعلامية المتواترة إلى أن التوجه الأمريكي لتصنيف الحزب كمنظمة إرهابية ينطلق من أدلة قاطعة تربط بين قيادات وعناصر في الحزب وجماعات متطرفة أخرى مثل تنظيم القاعدة في جزيرة العرب. 

ولطالما ساهمت السياسات الإخوانية في اليمن في إطالة أمد الحرب وتغذية الصراعات الداخلية، من خلال تحويل الدعم المالي والعسكري لصالح تقوية نفوذ التنظيم الخاص بدلاً من توجيهه لإنقاذ البلاد واستعادة مؤسسات الدولة. إن وضع حزب الإصلاح تحت مجهر التصنيف الدولي يمثل اعترافاً متأخراً من المجتمع الدولي بخطورة الدور الذي تلعبه هذه الأذرع في تقويض الاستقرار الإقليمي، ويؤكد أن الغطاء السياسي الذي تحتمي به الجماعة لسنوات قد بدأ يتآكل بشكل متسارع وغير قابل للإصلاح.

انحسار الجناح السوداني 

لا يختلف المشهد في السودان كثيراً عن بقية الساحات، حيث يواجه تنظيم الإخوان المسلمين، الذي حكم البلاد بقبضة حديدية ورداء ديني لأكثر من ثلاثة عقود، حالة من الانحسار والرفض الشعبي والسياسي غير المسبوق. لقد ترك الحكم الإخواني في السودان إرثاً ثقيلاً من الفساد المؤسسي، والحروب الأهلية، والتمزيق الجغرافي الذي توج بانفصال جنوب السودان، فضلاً عن العزلة الدولية الخانقة التي عانى منها الشعب السوداني لعقود. 

وبعد الإطاحة بنظام عمر البشير، تحولت خلايا التنظيم وفلوله إلى قنابل موقوتة تسعى جاهدة لإشعال الفتن والفوضى بهدف عرقلة أي مسار ديمقراطي أو مدني يمكن أن يعيد بناء الدولة على أسس وطنية حديثة. 

ويرى الكثير من الخبراء في الشأن السوداني أن الصراع الراهن والدمار الذي يشهده السودان في الوقت الحالي هو نتاج طبيعي للألغام السياسية والأمنية التي زرعها الإخوان في جسد الدولة السودانية على مدار سنوات حكمهم.

ومع تزايد الوعي الشعبي بطبيعة المؤامرات التي تحيكها فلول تنظيم الإخوان في السودان، يتراجع نفوذ الجناح السوداني للإخوان بشكل ملحوظ، مما يشير إلى أن السودان بات يلفظ هذا التنظيم الذي لم يقدم للبلاد سوى الفقر والجوع والتمزق الاجتماعي.

عقيدة التمكين وتكلفة الخراب في الساحات العربية

إن القاسم المشترك بين جميع فروع جماعة الإخوان المسلمين في الوطن العربي هو تبنيها لعقيدة التمكين، وهي فكرة استعلائية ترى في المجتمع والدولة مجرد أدوات يجب السيطرة عليها وتطويعها لخدمة المرشد والتنظيم الدولي.

 هذه العقيدة ألغت بشكل كامل مفهوم المواطنة واستبدلته بالولاء التنظيمي الأعمى، مما جعل هذه الجماعات تتصرف كأجسام غريبة داخل أوطانها.

 وفي كثير من الدول العربية، تسببت هذه السياسات في حدوث كوارث إنسانية وسياسية واقتصادية غير مسبوقة، حيث تحولت الأوطان التي دخلتها الجماعة إلى ساحات للصراع والحروب الأهلية والخراب والدمار الممنهج.

ولم تتردد الجماعة في التحالف مع قوى إقليمية ودولية معادية للمصالح العربية من أجل الوصول إلى سدة الحكم أو الحفاظ على مكاسبها الحزبية الضيقة. 

هذا السلوك الانتهازي دفع الشعوب العربية إلى إدراك الحقيقة المرة، وهي أن مشروع الإخوان لا يحمل أي رؤية للتنمية أو الاستقرار أو الازدهار، بل هو مشروع هدم وتفكيك للدول الوطنية لصالح كيان وهمي متطرف لا يعترف بالحدود أو السيادة الوطنية.

صياغة استراتيجية عربية شاملة لاقتلاع جذور الفكر المتطرف

أمام هذا التراجع التاريخي والانحسار الواضح للتنظيم في تونس واليمن والسودان ومصر وغيرها من الدول، يتفق الخبراء على أن المواجهة الأمنية والقضائية، على أهميتها القصوى، لا تكفي وحدها لإنهاء هذا الخطر بشكل نهائي.

لقد حان الوقت لصياغة استراتيجية عربية موحدة وشاملة تشترك فيها الحكومات والمؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، تهدف إلى تجفيف منابع الفكر الإخواني المتطرف واقتلاع جذوره من العقول والقلوب. وتتطلب هذه الاستراتيجية تقديم خطاب ديني مستنير يعيد للدين وسطيته وسماحته، وينزع عنه القداسة الزائفة التي حاولت الجماعة إضفاءها على مواقفها السياسية ومصالحها الحزبية.

كما يجب العمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتطوير التعليم، لحماية الأجيال الناشئة من الوقوع في حبائل الشعارات البراقة التي تستغلها الجماعة لتجنيد عناصر جديدة.

إن المعركة الحالية هي معركة وعي وفكر بامتياز، والانتصار فيها يعني حماية مستقبل الأمة العربية وضمان استقرار دولها وشعوبها.

في المحصلة النهائية، تشير المعطيات الحالية على الأرض إلى أن كتاب جماعة الإخوان المسلمين في الوطن العربي يقترب من فصوله الأخيرة، بعد أن تكشفت عورات التنظيم وسقطت أقنعته في مختلف الساحات. 

إن الأحكام التاريخية الصادرة في تونس، والتوجهات الأمريكية الصارمة ضد حزب الإصلاح في اليمن، والانحسار المستمر لفلول الجماعة في السودان، هي ملامح لواقع جديد يتشكل في المنطقة العربية عنوانه الأبرز هو انتصار الدولة الوطنية وهزيمة المشاريع الظلامية السرية.

لقد برهنت الأحداث والسنوات الماضية بما لا يدع مجالاً للشك أن الشعوب العربية قد سئمت سياسات الخراب والصراع التي انتهجتها الجماعة لعقود، وباتت تتطلع إلى بناء مستقبل دائم ومستقر يقوم على سيادة القانون والمواطنة والتنمية الشاملة، مما يعني أن البيئة العربية قد أصبحت طاردة نهائياً لهذا التنظيم المتطرف ولم يعد له مكان في جغرافية المستقبل العربي.

نقلا عن خبر للانباء

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال