في خضم الضجيج الإعلامي، وتزاحم الخطابات والمواقف، وتعدد الاصطفافات السياسية، يبقى هناك سؤال واحد يجب أن يسبق كل الأسئلة، ويتقدم على كل الاعتبارات: ماذا قدم هذا القائد، أو تلك الشخصية، أو ذلك الحزب، أو هذه الدولة للوطن واليمنيين؟
هذا هو المعيار الحقيقي الذي ينبغي أن يحتكم إليه الجميع، بعيداً عن الأهواء والانفعالات والمواقف المسبقة.
معيار العطاء والتضحية
فعندما نتحدث عن أي شخصية أو جهة أو مكون سياسي، يجب أن ننظر أولاً إلى موقفه من معركة استعادة الدولة، ومن مشروع تحرير اليمن من الانقلاب الكهنوتي الذي مزق البلاد وأغرقها في أتون الحرب والمعاناة.
علينا أن نسأل:
ما حجم الجهد الذي بذله؟
ما مقدار التضحيات التي قدمها؟
ما رصيده السياسي والإعلامي والميداني والنضالي؟
كم ساهم في دعم معركة التحرير وتعزيز صمود اليمنيين؟
كم قدم من مساعدات إنسانية وخدمية وتنموية خففت من معاناة المواطنين الذين يواجهون ظروفاً استثنائية فرضتها سنوات الحرب والانقسام والتشظي؟
إن الإنصاف يقتضي أن تُوزن المواقف بميزان العطاء لا بميزان الخصومة، وأن تُقاس الأدوار بحجم ما قدمته للوطن لا بحجم ما يقال عنها في وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي.
خطورة المعارك الجانبية
واليوم، وفي ظل استمرار المعركة الوطنية الكبرى، لا يحتاج اليمنيون إلى مزيد من التشهير والإساءة وتبادل الاتهامات، بقدر حاجتهم إلى خطاب مسؤول يعزز وحدة الصف، ويركز على الأولويات الوطنية، ويحشد الطاقات نحو الهدف الأسمى: استعادة الدولة، وإنهاء الانقلاب، واستكمال تحرير الأرض والإنسان.
إن فتح المعارك الجانبية، والانشغال بالمناكفات السياسية والمهاترات الإعلامية، وتحويل الخلافات إلى حملات استنزاف متبادلة، لا يخدم القضية الوطنية، بل يبدد الجهود ويشتت الانتباه عن المعركة الحقيقية التي لا تزال قائمة؛ فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تتحرر بتصفية الحسابات، ولا تنتصر بتغذية الانقسامات.
لقد أثبتت التجارب أن القوى التي تنشغل بخلافاتها أكثر من انشغالها بعدوها، تدفع أثماناً باهظة من وحدتها وقدرتها على الإنجاز. أما القوى التي تجعل الوطن فوق المصالح الضيقة، فإنها تقترب من تحقيق أهدافها مهما كانت التحديات.
نحو ثقافة وطنية جديدة
إن اليمن اليوم بحاجة إلى ثقافة وطنية جديدة تجعل معيار الحكم على الرجال والمؤسسات والقوى السياسية هو مقدار ما قدموه للوطن، وما تحملوه من مسؤوليات، وما أسهموا به في خدمة المواطنين، وما بذلوه من جهود في معركة الخلاص الوطني.
فالتاريخ لا يسجل حجم الشتائم المتبادلة، ولا عدد المعارك الإعلامية العابرة، وإنما يسجل من وقف مع وطنه وشعبه المغلوب على أمره، ومن قدم التضحيات، ومن حمل هموم الناس، ومن أسهم في صناعة الأمل وبناء المستقبل.
ولهذا، فإن الواجب الوطني يفرض على الجميع أن يوجهوا بوصلتهم نحو الهدف الأكبر:
توحيد الصفوف.
تعزيز الشراكة الوطنية.
حشد الطاقات والإمكانات لمعركة استعادة الدولة وتحرير ما تبقى من أرض الوطن.
بناء يمن آمن ومستقر يتسع لكل أبنائه.
فالوطن أكبر من الأشخاص، وأعظم من الأحزاب، وأبقى من الخلافات، ولن ينتصر إلا عندما يصبح السؤال الأول والأخير: ماذا قدمت لليمن؟ وليس: ضد من تتحدث؟.. فهنا يبدأ الوعي الوطني الحقيقي، وهنا تتشكل معالم الطريق نحو الخلاص وبناء الدولة.
التصنيف :
كتابات واراء