في الوقت الذي تصادر فيه مليشيا الحوثي المصنفة على قوائم الإرهاب، إيرادات الدولة وترفض صرف رواتب الموظفين للعام العاشر على التوالي، تفجر الجماعة موجة سخط عارمة بفرض عقوبات مالية باهظة على المتسولين في الشوارع، تحت مزاعم "مكافحة التشويه الحضري" وحماية "الذوق العام"، مهددة مرتكبيها بعقوبات تصل إلى السجن لمدة عشر سنوات وغرامات مالية باهظة.
وحسب تعميم صدر مؤخراً عن المليشيا، فقد اعتبرت أعمال مثل بيع المناديل وأعواد الأسنان والسلع البسيطة في الشوارع والجولات، إضافة إلى مسح زجاج السيارات، من صور التسول التي تستوجب الملاحقة والعقوبة.
ونص التعميم على فرض غرامة قدرها 150 ألف ريال على من يتم ضبطه بشكل متكرر، ترتفع إلى 300 ألف ريال، عند تكرار الضبط لمرتين، فيما يتم بعد المخالفة الثالثة إحالة الشخص إلى النيابة المختصة مع فرض غرامة قد تصل إلى مليون ريال والحكم عليه بالسجن من خمس إلى عشر سنوات تحت تهمة الاتجار بالبشر في بعض الحالات المرتبطة باستغلال الأطفال والنساء.
وتفتح هذه الممارسات الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية: هل تبحث المليشيا فعلياً عن مظهر حضاري للمدن، أم أن الأمر لا يعدو كونها جباية حوثية جديدة تستثمر في جوع الفئات الأشد فقراً وتحوّل مآسي المعوزين إلى مصدر دخل إضافي لتمويل خزائنها؟
ويرى مراقبون أن القرار يأتي في وقت تعيش فيه المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا أوضاعاً اقتصادية ومعيشية هي الأسوأ منذ سنوات، في ظل استمرار انقطاع رواتب مئات الآلاف من الموظفين في القطاعين الحكومي والخاص وتفاقم معدلات البطالة والفقر، الأمر الذي دفع آلاف الأسر إلى اللجوء للتسول والأعمال البسيطة في الشوارع لتأمين احتياجاتها الأساسية.
القضاء على ما تبقى من خيارات البقاء
وفي نزول ميداني شمل أرصفة بعض شوارع مدينة إب (وسط اليمن) الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي للقاء عدد من المواطنين الذين تقطعت بهم السبل واضطروا لطلب المساعدة، حيث عكست شهاداتهم تدهوراً حاداً في الأوضاع المعيشية وتراجعاً كبيراً في القدرة الشرائية.
وأوضح الأشخاص أن غياب فرص العمل وانقطاع سبل العيش هما الدافع الأساسي لتواجدهم في الشوارع لتأمين القوت الضروري لعائلاتهم.
وفي تعليقهم على الإجراءات الأخيرة التي فرضتها مليشيا الحوثي، والمتعلقة بفرض عقوبات على المتسولين والباعة المتجولين، عبّر كثيرون عن مخاوفهم من تداعيات هذه القرارات، معتبرين أنها تمثل تضييقاً إضافياً على خياراتهم المحدودة لكسب العيش، وتفاقماً للأعباء الاقتصادية التي يواجهونها، بدلاً من تقديم حلول بديلة أو توفير شبكات أمان اجتماعي تدعم الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع.
وتبرز معاناة المسنة "نعمة" بوصفها نموذجاً لهذه الفئة؛ ففي زاوية مظلمة بجوار أحد أسواق المدينة، تجلس "نعمة" (62 عاماً) تمد يدها على استحياء للمارة، لعلها تحصل على كسرة خبز تسد بها جوعها وجوع أسرتها.
بملامح أرهقها العوز تقول "نعمة" -وهي من الفئات التي كان اسمها ضمن قائمة منح الضمان الاجتماعي لـ "المصدر أونلاين" وكانت تستلم راتبا زهيدا كل ثلاثة أشهر- "لم يتبق لنا في جعبة الحياة خيار سوى أن نلتحف الرصيف ونمد أكفنا للعابرين، بعد سنوات من إيقاف الحوثيين منح الضمان ونهبهم تلك الأموال".
تضيف "كنا نعيش بستر الله على فتات المنحة المالية الضئيلة من الضمان الاجتماعي، لكن جماعة الحوثي قطعتها عنا منذ سنوات، وحرمتنا من الحق الوحيد الذي كان يربطنا بالحياة".
وتابعت "لم يكتفوا بقطع رواتبنا وضماننا، بل حاربوا المنظمات الإغاثية الدولية التي كانت تغطي عجزنا وتوزع علينا السلال الغذائية والقمح".
نحن جائعون ولسنا مجرمون
صالح الحزمي، هو الآخر كان عاملاً بالأجر اليومي، دفعت به الظروف إلى الرصيف، ولم يعد أمامه مفر من تجرع مرارة السؤال، وبسط يديه للغرباء بحثاً عن لقمة عيش تسد رمق عائلته.
في حديث لـ "المصدر أونلاين" يقول الحزمي إن توقف الأعمال، ألجأنا إلى حافة الطريق، فلم نكن يوما نختار الرصيف هربا من العمل، بل دفعنا الجوع والفقر وانقطاع الرواتب وغلاء المعيشة إلى مد أيدينا للناس بعد أن ضاقت بنا الأرض".
وحول قرار الحوثين منع المتسولين من التواجد في الشوارع، وصف الحزمي القرار بـ "الظالم" الذي يفتقر للإنسانية، وقال: كيف يتحدثون عن المنظر الحضري لمدينة يملأها الجوع؟ إنهم يمنعوننا من التسول لكنهم لا يمنحوننا بديلاً، ولا يقدمون لنا سلة غذائية، ولا يصرفون رواتب تعيننا على البقاء في منازلنا".
وأضاف "بدلاً من معالجة أسباب فقرنا، يحاولون مطاردتنا في الشوارع ويسجنوننا وكأننا مجرمون، بينما يتركونا نواجه الموت جوعاً بعيداً عن الأعين فقط لكي تبدو الشوارع جميلة لمواكبهم وسياراتهم الفارهة".
استثمار وتكسّب
وتعليقا على إجراءات الحوثيين بحق المتسولين، يقول الباحث الاقتصادي، فاروق الكمالي، إن المليشيا تعمل على الاستثمار والتكسب في فئة المتسولين الأشد فقرا في البلاد، كمصدر دخل جديد يدر لها الأموال.
وأضاف الكمالي في تصريح لـ "المصدر أونلاين" أن "الحوثيين يدركون أنه ليس بمقدروهم ضبط عملية التسول في الشوارع، لهذا يريدون تحويلها إلى مصدر دخل جديد من خلال فرض غرامات، الغرض منها ليس معالجة الظاهرة وإنما تحويلها إلى مصدر للتمويل".
وحسب الكمالي فإن برنامج التأهيل مبدئياً مرغوب به، لكن من المستحيل تأهيل كل المتسولين والمتسولات، فأغلبهم من الفئات التي لم تنل أي حظ في التعليم، وبالتالي لن يجدي معهم التأهيل العابر الذي يزعموه.
وأكد أن هذا الإجراء يضع اليمنيين أمام مفارقة صادمة، حيث تُعاقب الجماعة ضحاياها الذين سحقتهم بآلتها الحربية، بدلاً من توفير شبكات أمان اجتماعي تضمن لهم البقاء.
وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن هذه الاستراتيجية عمل عليها الحوثيون لسنوات طويلة منذ سيطرتهم على صنعاء وفشلوا في تطبيقها على مدار سنوات، فقرروا أن يحولوها إلى مصدر دخل، كما هو واضح.
وبشأن زيادة ظاهرة التسوّل القسري في مناطق سيطرة الحوثيين في الآونة الأخيرة، يقول الكمالي إن "اتساع رقعة الفقر وتزايد أعداد العاملين والمتسولين في الشوارع يرتبط بالأزمة الاقتصادية المستمرة، وانقطاع مرتبات شريحة واسعة من الموظفين، إلى جانب تراجع برامج الرعاية الاجتماعية والدعم الموجه للأسر المحتاجة والفقيرة في اليمن".
تحذيرات أممية وأرقام مقلقة
وكشفت بيانات أممية حديثة عن بدء ظهور جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين شمال اليمن، في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتراجع حاد في التمويل الإنساني، ما يهدد بانزلاق ملايين اليمنيين إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.
وقالت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) في تقرير صادر أواخر مايو الماضي إن وضع الأمن الغذائي في اليمن لا يزال "مقلقاً للغاية"، متوقعة أن يواجه نحو 18.7 مليون شخص، أي ما يعادل 53 في المائة من السكان، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
والأربعاء قالت منظمة الصحة العالمية، إن اليمن يدخل عام 2026 عند مفترق طرق حرج، حيث يحتاج 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية والحماية.
وسبق أن اتهمت الحكومة (المعترف بها دوليا) مليشيا الحوثي بالاستيلاء على حوالي 103 مليارات دولار من موارد البلاد منذ انقلابهم في عام 2014، مشيرة إلى أن هذه الأموال لم تُستخدم لتحسين الخدمات أو دفع رواتب الموظفين، بل ذهبت لتمويل الحرب ومشروع التوسع الإيراني.
نقلا عن المصدراون لاين
التصنيف :
تقارير