فاجعة دار الرئاسة.. ذروة الغدر وفروسية الموقف التاريخي:



في تاريخ الأمم محطات فارقة، لا تُقاس بالأيام والساعات، بل بمواقف الرجال الذين يمسكون بزمام القدر في لحظات الجنون العاصف. 

ومن بين أكثر تلك اللحظات قتامة في تاريخ اليمن المعاصر، تبرز فاجعة الثالث من يونيو 2011؛ ذلك اليوم الذي استُهدفت فيه شرعية الدولة وعمودها الفقري في جوف بيت من بيوت الله، بجريمة جامع دار الرئاسة النكراء.

لم يكن الحادث مجرد محاولة اغتيال لرئيس، بل كان فخاً تاريخياً نُصب بعناية لجر البلاد إلى مستنقع حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.

الجرائم الكبرى عادة ما تولد ردود أفعال توازيها في العنف، وكان بمقدور النظام حينها، وبما يمتلكه من ترسانة عسكرية ومؤسسات أمنية وولاءات شعبية عارمة، أن يقلب الطاولة، ويمسح ساحات الاحتجاج، ويشن حرب تصفيات شاملة ضد القوى المتبنية والمنفذة للهجوم. 

لكن، وهنا تتجلى عبقرية القيادة وفارق الطموح بين رجل السلطة ورجل الدولة، وقف الرئيس علي عبد الله صالح حائلاً دون انفجار البركان.
من وسط ألسنة اللهب، ومن تحت ركام محراب الصلاة في جامع دار الرئاسة، وهو ينزف دماً ويتجرع الآلام، أصدر الزعيم قراره الحصيف والتاريخي: لا لرد الفعل العسكري.

لقد رفض بوعي القائد الملهم أن يجعل من دمه وجراح رفاقه وقوداً لإحراق الوطن.

كان يدرك بحسه السياسي وخبرته الطويلة أن الانجرار إلى مربع التصفية المسلحة والنزاع الأهلي يعني نهاية اليمن الذي قضى عمره في بنائه وتوحيده.

إن رفض صالح للثأر الشخصي في تلك اللحظة الحرجة يمثل أرقى درجات الفروسية السياسية والمسؤولية الوطنية.

لقد قدم درساً بليغاً في التسامح من أجل البقاء، مؤثراً السلامة العامة لشعبه على حساب حقه الشخصي والسياسي، واضعاً مصلحة اليمن العليا فوق الاعتبارات الفئوية والحزبية الضيقة. 

لم يكن ذلك الموقف ضعفاً، بل كان ذروة القوة والترفع، وحقناً لدماء ملايين اليمنيين الذين كانوا ليدفعوا ثمن أي قرار متهور.

اليوم ونحن نتأمل المشهد بعد سنوات من ذلك الحدث الإجرامي البشع ندرك بعمق كم كان هذا الرجل كبيراً بحجم اليمن، وكم كانت رؤيته ثاقبة.
لقد أثبتت الأيام أن حرصه على تجنيب البلاد الحرب وسفك الدماء كان نابعاً من إيمان صادق بأن هدم الأوطان سهل، لكن إعادتها من غياهب الفوضى أمر بالغ المشقة.

رحل الزعيم، وبقيت حكمة موقفه في جامع الرئاسة شاهداً حياً على من كان همه حماية شعبه وبلده، ولو كان الثمن روحه وحياته. 

إنها مدرسة رجل الدولة التي تفتقدها الأوطان في زمن المغامرات الصبيانية.

نقلا عن خبر للانباء

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال