بين مسؤولية الدولة وعَبَث المليشيا: معركة استعادة اليمن: الشيخ تركي بن عبدالله الوادعي



منذ اللحظة الأولى للانقلاب على الدولة اليمنية ومخرجات الحوار الوطني الذي قادته المليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني، في 21 سبتمبر 2014، لم تتوقف القيادة السياسية الشرعية عن تأكيد أن السلام العادل هو الخيار الأول للدولة اليمنية، وأن حقن دماء اليمنيين وتخفيف معاناتهم يمثلان واجبًا شرعيًا ومسؤولية وطنية لا يمكن التفريط بها، وهو النهج الذي يجسده فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، وأعضاء المجلس، انطلاقًا من مسؤوليتهم أمام الله ثم أمام الشعب، واستلهامًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.

هذا الحرص على السلام لم يكن يومًا علامة ضعف، وإنما يعبر عن قوة الدولة وثقتها بعدالة قضيتها وإيمانها بأن الأمن والاستقرار هما الغاية التي يتطلع إليها كل يمني، ولذلك بادرت الحكومة الشرعية خلال السنوات الماضية إلى دعم كل المساعي الرامية لإنهاء الحرب، وقدمت المبادرات تلو المبادرات، وتعاملت بإيجابية مع الجهود الإقليمية والدولية، وسعت إلى تخفيف معاناة المواطنين في مختلف المحافظات، بما فيها المحافظات الواقعة تحت سيطرة المليشيات الحوثية الإرهابية.

وفي السياق ذاته، يواصل دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني جهوده الحثيثة لتفعيل أداء مؤسسات الدولة، وتعزيز حضورها في الداخل والخارج، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن معركة استعادة الدولة تخاض في كل الميادين العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والخدمية، وقد شهدت المرحلة الأخيرة حراكًا دبلوماسيًا نشطًا قادته الحكومة بالتنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي، بهدف حشد الدعم العربي والدولي لليمن، وكشف انتهاكات المليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني، وتأكيد التزام الحكومة بخيار السلام العادل وفق المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية.

وفي المقابل، أثبتت الوقائع والأحداث أن المليشيات الحوثية الإرهابية لم تستثمر أي فرصة لتحقيق السلام، بل جعلت من معاناة اليمنيين وسيلة للابتزاز السياسي، واستمرت في التصعيد العسكري، ورفض المبادرات، وتعطيل فرص التسوية، وتنفيذ أجندة لا تخدم مصالح اليمن، وإنما ترتبط بالمشروع الإيراني الخبيث في المنطقة، الأمر الذي أطال أمد الحرب، وفاقم الأزمة الإنسانية، وأثقل كاهل ملايين اليمنيين.

ولعل من أبرز الشواهد على الفارق بين الدولة والمليشيات، ما يتعلق بمطار صنعاء والناقل الوطني، فقد حرصت الحكومة الشرعية على استمرار تشغيل المطار وتسهيل سفر المرضى والطلاب والمسافرين، ووفرت الطائرات اللازمة لذلك، غير أن المليشيات أهدرت هذه المقدرات الوطنية، وأقدمت على احتجاز طائرات الخطوط الجوية اليمنية الخاصة بالحجاج في موسم 1446هـ، ومصادرة أموالها، ثم جعلت تلك الطائرات عرضة للاستهداف نتيجة مغامراتها العسكرية غير المسؤولة، وهو سلوك ألحق أضرارًا مباشرة بالمواطن اليمني قبل أي طرف آخر، وأكد أن هذه الجماعة لا تعبأ بمصالح الشعب ولا بمقدرات الدولة بقدر ماتريد فتح جسر جوي حربي أمام الطيران الإيراني فقط لتغذية المليشيات الحوثية الإرهابية وإمدادها بالسلاح والخبراء والطائرات المسيّرة، وما رفضها للمبادرة الأردنية بتسيير رحلات إلى مطار صنعاء إلا دليل واضح على أنها بعيدة كل البعد عن الجانب الإنساني ولا تريد خيرًا للمواطنين. 

ومع تمسك الدولة بخيار السلام، فإنها في الوقت ذاته لا تتخلى عن مسؤوليتها الدستورية في حماية الوطن والدفاع عن المواطنين، فالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمقاومة الشعبية تقف في أعلى درجات الجاهزية للقيام بواجبها إذا استمرت المليشيات الحوثية الإرهابية في تمردها وتصعيدها، لأن الحفاظ على الدولة وسيادتها، وصون أمن المواطنين، واجب شرعي ودستوري لا يحتمل التهاون، ولا يمكن السماح باستمرار مشروع رافضي فارسي يهدد هوية اليمن ووحدته وأمنه واستقراره.

ويبقى الأمل معقودًا بالله ثم على وعي اليمنيين، وإدراكهم أن مستقبل وطنهم لا يبنى بالحروب والفتن، وإنما ببناء الدولة، واحترام القانون، وتوحيد الصفوف، والالتفاف حول المؤسسات الشرعية، حتى يستعيد اليمن أمنه واستقراره ومكانته بين الأمم.

*وزير الأوقاف والإرشاد*★

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال