تمثل محافظتا البيضاء والجوف محورين حاسمين في معادلة الصراع على شمال اليمن، ليس فقط من حيث الجغرافيا، بل من زاوية التأثير العسكري والسياسي المباشر على العاصمة صنعاء. فالموقع الذي تحتله المحافظتان يجعلهما بمثابة “خاصرتين رخوتين” لأي قوة تسيطر على صنعاء، وفي الوقت ذاته خط دفاع متقدم يحمي عمق النفوذ الحوثي.
في الشمال الشرقي، تبرز محافظة الجوف كدرع استراتيجي بالغ الأهمية. تمتد جغرافيًا على مساحة واسعة وتجاور الحدود السعودية، ما يمنحها بعدًا إقليميًا يتجاوز حدود الداخل اليمني. السيطرة على الجوف تعني التحكم بخطوط الإمداد المفتوحة، وتأمين الخاصرة الشمالية لمعاقل الحوثيين في صعدة وعمران وشمال شرق محافظة صنعاء.
كما أن التركيبة القبلية في الجوف تمثل عاملًا حاسمًا؛ إذ تشكل القبائل هناك خزانًا بشريًا قادرًا على ترجيح كفة أي طرف. ومن هذا المنطلق، فإن فقدان الحوثيين للجوف لا يعني فقط خسارة أرض، بل فتح جبهات خلفية متصلة بمأرب، وهو سيناريو استراتيجي بالغ الخطورة بالنسبة لهم.
أما محافظة البيضاء، فتكتسب أهميتها من موقعها المركزي الذي جعلها تُعرف بـ“قلب اليمن”. فهي نقطة التقاء جغرافي بين عدة محافظات حيوية، ما يجعلها عقدة مواصلات وممرًا لوجستيًا بالغ الحساسية. السيطرة على البيضاء تعني القدرة على تهديد خطوط الإمداد بين شمال اليمن وجنوبه، وفتح ممرات عملياتية نحو مناطق نفوذ الحوثيين في ذمار وإب، بل والاقتراب أكثر من صنعاء نفسها. ولهذا السبب، يتعامل الحوثيون مع البيضاء كخط تماس مباشر، وليس مجرد منطقة طرفية.
استماتة الحوثيين في الدفاع عن البيضاء والجوف ليست رد فعل ظرفي، بل تعبير عن فهم عميق لأهمية هاتين المحافظتين في توازن القوى. فخسارتهما تعني انتقال المعركة من الأطراف إلى قلب مناطق سيطرتهم، وتهديدًا مباشرًا لبنية نفوذهم العسكرية والسياسية. وفي المقابل، فإن أي تقدم للقوات المناهضة للحوثيين في هاتين الجبهتين يمثل تحولًا نوعيًا قد يعيد رسم خريطة الصراع.
ختامًا: إنَّ محافظتي البيضاء والجوف لا تمثلان مجرد نطاقين جغرافيين في خارطة اليمن، بل تشكلان مفاتيح استراتيجية حاسمة للتحكم بمسار الحرب في الشمال. ومن ينجح في حسم المعركة فيهما، يقترب فعليًا من تخوم العاصمة صنعاء، ويمهد الطريق لاستعادة الدولة اليمنية وإحياء المشروع الجمهوري...
التصنيف :
كتابات واراء