سباق متنفذي الحكم في اليمن بصناعة الأكاديميين الوهميين.. الأثر الخفي الذي يهدد مستقبل الدولة. مكرم العزب



عندما يُذكر أثر الحرب في اليمن على التعليم، يتجه الحديث عادة إلى المدارس المدمرة، والجامعات المتوقفة، والرواتب المنقطعة، وهجرة الأساتذة والباحثين. لكن ثمة أثر أكثر خطورة، لأنه لا يدمر الحجر، بل يضرب العقل ذاته، ويتمثل في تآكل منظومة الدراسات العليا وتحويل الشهادات العلمية، في بعض الحالات، من معيار للكفاءة إلى أداة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي والإداري.

لقد أفرزت سنوات الحرب واقعاً استثنائياً أضعف الرقابة المؤسسية وأربك منظومة التعليم العالي، وخلق بيئة سمحت – في بعض الحالات التي أثير حولها جدل إعلامي وأكاديمي – بتراجع معايير البحث العلمي، وظهور ممارسات تمس نزاهة الدراسات العليا، من انتحال علمي، أو كتابة رسائل مقابل المال، أو منح درجات في ظروف أثارت تساؤلات واسعة حول سلامة الإجراءات الأكاديمية.

بيد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه الحالات منفردة، وإنما في تحولها إلى وسيلة لإنتاج نخبة جديدة تحمل ألقاباً أكاديمية دون أن تمتلك أدوات البحث أو التفكير العلمي. فالحرب لم تعد تكتفي بتوزيع الرتب العسكرية، بل بدأت – بصورة أكثر هدوءاً – في توزيع الألقاب الأكاديمية أيضاً.

ويقول أحد الباحثين الذي نال شهادة الماجستير قبل سنوات في مجال تخصصه العلمي  :
" كشاهد عيان وباحث مهتم، لاحظتُ ذلك في محافظة تعز أثناء دراستي للماجستير، ؛حيث تدفع جماعة الإخوان بكوادرها وقيادييها المهمين للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه بطرق المنح ماليا والاعتماد على باحثين أكاديميين والترويج لذلك إعلامياً، وهو ذات النهج الذي تم الكشف عنه في جامعة عدن كما ظهر ذلك في حادثة أحد وكلاء الوزارات التابع للمجلس الانتقالي، وايضا ما تم ملاحظته بجلاء في جامعة صنعاء وبعض الجامعات الخاصة بصنعاء أثناء مرحلة الدكتوراه..وليس بعيدا عن ما كشفته حادثة منح درجة الماجستير للرئيس المشاط بدار الرئاسة.. هذه الحوادث التي كشفها الإعلام ماهي إلا غيض من فيض،من ما يعتمل في مجال التعليم العالي والذي ستتبين نتائجه في اقرب تسوية بين الأطراف حيث ان كل طرف سيدفع بأسمائه ومنتسبيه بأنهم كوادر اكاديمة وحملة درجات علمية عليا.. وبالتالي سنجد انفسنا في المستقبل امام كم هائل من الاكاديمييين الوهميين والباحثين الغير مدربين فعليا والكوادر المقنعة لادارة السلطات في اليمن، وهذا بالنتيجة سينتج عنه واقع تعليمي رخو وحكم اداري محكوم عليه بالفشل مسبقاً"

 خلال متابعة هذا الملف خلال سنوات الدراسة والبحث، تبدو ملامح ظاهرة تستحق الدراسة الجادة، وهي سعي بعض القوى النافذة في مناطق مختلفة من اليمن إلى الدفع ببعض كوادرها للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه، بما يهيئهم لتولي المناصب المدنية والإدارية والأكاديمية مستقبلاً. وهذه ليست قضية تخص طرفاً بعينه، فقد شهدت جامعات في مناطق خاضعة لسلطات مختلفة حالات أثارت نقاشاً واسعاً حول نزاهة منح بعض الدرجات العلمية، وهو ما يؤكد أن المشكلة، إن تُركت دون معالجة، ستتجاوز حدود الانقسام السياسي لتصبح أزمة وطنية تمس مستقبل التعليم والدولة معاً.

إن أخطر ما قد تخلفه الحرب ليس جيلاً فاقداً للتعليم، بل جيلاً يحمل أعلى الشهادات دون أن يمتلك الحد الأدنى من أدواتها. فالشهادة المزيفة أو الضعيفة لا تنتج باحثاً ضعيفاً فحسب، بل قد تنتج أستاذاً جامعياً يخرّج أجيالاً أضعف، ومسؤولاً يتخذ قرارات مصيرية دون تأهيل حقيقي، وقائداً إدارياً يعيد إنتاج الفشل تحت غطاء أكاديمي.

ومع أي تسوية سياسية قادمة، ستسعى مختلف القوى إلى تثبيت نفوذها داخل مؤسسات الدولة. ولن يكون السلاح وحده هو وسيلة ذلك، بل ستكون المؤهلات العلمية إحدى أدوات الصراع على المناصب. وعندها قد نجد أنفسنا أمام آلاف من حملة الماجستير والدكتوراه الذين يحملون ألقاباً أكاديمية أكثر مما يحملون معرفة حقيقية، فتتحول الجامعات إلى مصانع للشهادات، لا مصانع للعقول.

إن انهيار معايير الدراسات العليا أخطر من انهيار مباني الجامعات؛ فالمباني يمكن إعادة تشييدها خلال سنوات، أما الثقة في الشهادة الجامعية فلا تُستعاد إلا بعد عقود من الإصلاح. وإذا فقد المجتمع ثقته في قيمة الماجستير والدكتوراه، فقد فقد إحدى أهم أدوات بناء الدولة الحديثة.

لهذا، فإن إعادة إعمار التعليم في اليمن يجب ألا تقتصر على بناء القاعات والمعامل، بل ينبغي أن تبدأ بإعادة بناء منظومة النزاهة الأكاديمية، واستقلال الجامعات، وتفعيل أنظمة كشف الانتحال العلمي، وإخضاع برامج الدراسات العليا لتقييم وطني ودولي مستقل، ومراجعة كل ما مُنح من درجات في ظروف استثنائية إذا وجدت مؤشرات جدية على مخالفة المعايير العلمية.
فالحرب لا تقتل البشر فقط، بل قد تقتل الحقيقة أيضاً. وعندما تصبح الشهادة العلمية وسيلة للولاء بدلاً من الكفاءة، فإن أول ضحاياها سيكون مستقبل اليمن، وآخر ضحاياها ستكون الدولة التي ستُدار بألقاب أكاديمية لا تعكس بالضرورة علماً أو كفاءة أو جدارة... والدهر فقيه

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال