بعد دمشق... هل آن أوان صنعاء؟لقاء استراتيجي بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس العليمي لإعادة ترتيب معركة استعادة الدولة وحماية أمن المنطقة د. علي العسلي


تمر المنطقة العربية اليوم بمرحلة استثنائية تتسارع فيها التحولات، وتتراجع فيها حسابات الانتظار لصالح منطق المبادرة وصناعة القرار. فالأحداث المتلاحقة في الإقليم كشفت أن موازين القوى ليست ثابتة، وأن المشاريع التي بنت نفوذها على استثمار الفوضى والانقسامات يمكن أن تواجه لحظات مفصلية تعيد رسم المشهد من جديد.

ولسنوات طويلة، راهنت إيران على ما سمّته نفوذاً في أربع عواصم عربية: بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، وجعلت من هذا الحضور أداة لتوسيع نفوذها الإقليمي. غير أن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة كشفت أن النفوذ القائم على المليشيات لا يمكن أن يكون بديلاً عن الدولة، وأن معادلات القوة قابلة للتغير. واليوم، وبعد أن دخلت عواصم عدة مسارات جديدة، تبقى صنعاء أمام لحظة فارقة؛ فإما أن تستعيد مكانتها كعاصمة لدولة يمنية مستقلة، أو تبقى رهينة مشروع لا يشبه تاريخ اليمن ولا تطلعات شعبه.

وكانت دمشق إحدى أبرز المحطات التي شهدت تحولاً كبيراً في هذا السياق؛ فبعد سنوات من الحضور الإيراني المؤثر في سوريا، دخل المشهد السوري مرحلة جديدة، وتعاملت المملكة العربية السعودية مع التحولات بمنطق الدولة التي تدرك أن صناعة الاستقرار تحتاج إلى احتضان سياسي، وحضور فاعل، وقراءة دقيقة للحظة التاريخية.

ومن هنا يبرز السؤال الطبيعي: إذا كانت دمشق قد دخلت مرحلة جديدة، فهل تكون صنعاء هي المحطة التالية؟

فاليمن ليس مجرد ملف إقليمي آخر؛ بل هو البوابة الجنوبية للمملكة العربية السعودية، وعمقها الأمني والاستراتيجي، وركيزة أساسية في أمن البحر الأحمر والممرات الدولية. وما يحدث في اليمن لا يبقى داخل حدوده، بل يمتد أثره إلى أمن الخليج والمنطقة والعالم.

لقد جاء تشكيل مجلس القيادة الرئاسي اليمني في لحظة مفصلية نتيجة مشاورات يمنية-يمنية احتضنتها الرياض، بهدف توحيد الصف اليمني المناهض للانقلاب، وإيجاد إطار سياسي قادر على قيادة المرحلة. وكان اختيار الدكتور رشاد العليمي لرئاسة المجلس تعبيراً عن محاولة بناء قيادة تجمع الخبرة السياسية والقدرة على إدارة التعقيدات اليمنية.

ومنذ ذلك الحين، واجه الرئيس العليمي تحديات استثنائية؛ فإدارة مجلس قيادة متعدد المكونات، في ظل حرب مستمرة وانقسام سياسي واقتصادي عميق، ليست مهمة سهلة. ومع ذلك، استطاع الحفاظ على تماسك الإطار الشرعي، والتعامل مع ملفات شائكة تحتاج إلى كثير من الصبر والحكمة.

وخلال السنوات الماضية، تحملت الشرعية اليمنية كلفة خيارات صعبة، وتعاملت مع مسارات التهدئة وخارطة الطريق، وقدمت فرصاً للحلول السياسية، رغم أن الحوثيين استمروا في استغلال الهدن لإعادة ترتيب أوراقهم، وتعطيل موارد الدولة، وتهديد الأمن الإقليمي.

كما واصلت المملكة العربية السعودية دعمها لاستقرار اليمن، والوقوف إلى جانب مؤسسات الدولة اليمنية، والتدخل في اللحظات الحرجة لمنع الانهيار. وكان لسمو الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع والمسؤول عن الملف اليمني، دور مهم في إدارة هذا الملف ومتابعة تفاصيله وتعزيز قنوات التواصل مع القيادة اليمنية.

لكن المرحلة الحالية تختلف عن سابقاتها.

فالتطورات الإقليمية الأخيرة أثبتت أن استمرار إدارة الأزمة لم يعد كافياً، وأن الحوثي لم يتعامل مع فرص السلام باعتبارها طريقاً لإنهاء الحرب، بل باعتبارها فرصة لتعزيز نفوذه وتثبيت مشروعه. كما أن ارتباطه بالمشروع الإيراني جعله جزءاً من معادلة أمنية تتجاوز اليمن إلى البحر الأحمر والمنطقة بأكملها.

ولهذا فإن اللحظة الراهنة تحتاج إلى الانتقال من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة المبادرة.

ومن هنا تأتي أهمية لقاء استراتيجي بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي.

فهذا اللقاء لا ينبغي قراءته باعتباره دعماً لشخص أو طرف، وإنما باعتباره خطوة تخدم مصلحة استراتيجية مشتركة؛ مصلحة اليمن في استعادة دولته، ومصلحة المملكة في حماية أمنها وحدودها، ومصلحة المنطقة في إنهاء تهديد أصبح يمس الملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي.

إن تمكين الشرعية اليمنية في هذه اللحظة لا يُقرأ باعتباره دعماً لقيادة أو مكون بعينه، بل باعتباره قراراً يخدم المصلحة السعودية العليا؛ فأمن اليمن من أمن المملكة، واستقرار صنعاء جزء لا يتجزأ من أمن البحر الأحمر والمنطقة.

فاللحظات التاريخية لا تكفيها المواقف التقليدية، بل تحتاج إلى رسائل سياسية بمستوى القيادات العليا، تتناسب مع حجم التحولات نفسها؛ رسائل ترسم الاتجاه، وتوحّد الرؤية، وتعيد ترتيب الأولويات، وتنقل الملف اليمني من دائرة إدارة الأزمة إلى مسار استراتيجي واضح نحو استعادة الدولة.

ومن شأن هذا اللقاء أن يؤسس لمرحلة جديدة في مسار استعادة الدولة، وأن يحقق جملةً من الأهداف الاستراتيجية:

أولاً: تجديد التأكيد على أن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية هما الإطار الدستوري والسياسي المعترف به لاستعادة الدولة، وأن المملكة ماضية في دعم مشروع وطني يمني يحفظ وحدة اليمن، ويصون أمن الجزيرة العربية والبحر الأحمر، ويعزز استقرار المنطقة.

ثانياً: منح رئيس مجلس القيادة الرئاسي والحكومة دفعةً سياسية قوية تعزز قدرتهما على المضي في تنفيذ القرارات والإصلاحات والاستحقاقات الوطنية المرتبطة بإنهاء الانقلاب، وتدعم تماسك مجلس القيادة الرئاسي، وتوحد رؤية مكوناته، وتدفع مختلف القوى الوطنية إلى تجاوز الحسابات الضيقة، والعمل ضمن استراتيجية وطنية واحدة تتجه نحو هدف جامع: استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب.

ثالثاً: إطلاق مرحلة أكثر فاعلية في الشراكة السعودية-اليمنية، تُسخَّر فيها الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية بصورة متكاملة، بما يبدد رهانات الحوثي على عامل الوقت، وينقل الملف اليمني من إدارة الأزمة إلى صناعة الحسم، وصولاً إلى استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب.

إن إيران، التي سعت لعقود إلى بناء نفوذها عبر عدد من العواصم العربية، تدرك اليوم أن معادلات المنطقة تتغير، وأن المشاريع القائمة على المليشيات لا يمكن أن تصمد إلى الأبد أمام منطق الدولة. وإذا كانت بعض تلك العواصم قد دخلت بالفعل مسارات جديدة تستعيد فيها قرارها الوطني، فإن صنعاء تبقى العقدة الأخيرة في مشروع النفوذ الإيراني جنوب الجزيرة العربية.

ومن هنا، فإن لقاء قمة سعودي-يمني في هذا التوقيت لن يكون مجرد حدث بروتوكولي، بل خطوة استراتيجية من شأنها أن تقرّب يوم استعادة صنعاء، وأن ترسخ حقيقة أن استمرار اختطاف العاصمة اليمنية ليس قضية يمنية فحسب، بل قضية تمس الأمن القومي السعودي، وأمن البحر الأحمر، واستقرار الإقليم بأسره.

فبعد دمشق، تقف صنعاء في قلب السؤال التاريخي: هل آن الأوان لأن تمتد التحولات الإقليمية إلى آخر معاقل المشروع الإيراني في جنوب الجزيرة العربية، فتنتقل المنطقة من مرحلة احتواء الأزمات إلى مرحلة استعادة الدول لسيادتها وقرارها الوطني؟

إن الإجابة لا تبدأ بالشعارات، بل بالقرار.

فالسلام الحقيقي في اليمن لن تصنعه المساومات مع الانقلاب، ولا إطالة أمد إدارة الأزمة، وإنما تصنعه دولة قوية، وشرعية ممكَّنة، وشراكة استراتيجية راسخة بين المملكة واليمن، وإرادة سياسية تدرك أن أمن صنعاء والرياض، كما أمن البحر الأحمر، منظومة واحدة لا تتجزأ.
فبعد دمشق... حتماً آن أوان صنعاء.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال