من البحر إلى النفط.. كيف أربكت "لغة الدولة" هستيريا الميليشيا؟ د. علي العسلي


في السياسة، لا تُقرأ البيانات بمعزل عن سياقها، ولا تُفهم القرارات بعيدًا عن توقيتها. وما شهده الملف اليمني خلال الأيام الماضية يتجاوز مجرد السجال الإعلامي؛ إنها معركة كسر عظم استراتيجية حول من يمتلك زمام المبادرة، ومن يفرض معادلات المستقبل.

لقد بدأت هذه الجولة الساخنة مع إعلان المتحدث العسكري للحوثيين، يحيى سريع، فرض ما أسماه "الحظر البحري" على الموانئ السعودية. وهو إعلان حمل تحولاً لافتاً وسقوطاً مدوياً للأقنعة.

 فبعد أشهر من تسويق عمليات البحر الأحمر تحت لافتة 'مناصرة غزة'، تحول التهديد فجأة وبشكل مباشر نحو الجار الشقيق، والعمق الإقليمي والاقتصادي لليمن. هذا التحول يكشف أن القضية الفلسطينية لم تكن سوى ورقة تكتيكية، للهروب من التزامات السلام وأزمات الجماعة الداخلية عبر تهديد منافذ الحياة الحيوية.

لكن الرد لم يتأخر، وجاء كالصفعة القانونية عبر بيانين متكاملين من وزارة الخارجية السعودية وقيادة قوات التحالف. رداً لم يكن انفعالياً، بل تأسس على منطق الدولة وبلاغة الحقائق الدامغة.

بدلاً من الاكتفاء بنفي اتهامات "الحصار" الجوفاء، نقلت المملكة المعركة إلى ساحة الأرقام التي لا تكذب. كشفت البيانات أن موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى استقبلت وحدها أكثر من 1300 سفينة تجارية خلال النصف الأول من عام 2026م محملة بالوقود والغذاء.

لقد ذكّر الرد السعودي العالم بالحقائق؛ من استهدف موانئ النفط وعطّل إيرادات اليمنيين هو الحوثي، ومن احتجز طائرات الخطوط اليمنية وعطّل سفر المواطنين هو الحوثي، وأن حماية الملاحة في باب المندب باتت التزاماً دولياً صارماً سيواجه بكل حزم وقوة.

هذا التناغم الصلب بين الموقف الإقليمي والشرعية اليمنية، تُوّج بقرار استراتيجي حاسم غيّر مسار المشهد؛ إذ أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، بدء العمل على استئناف تصدير النفط، مواصلاً نهج عبارته الشهيرة "ابتداءً من اليوم" التي دشن بها قرارات السيادة الجوية.

هنا تحدد جوهر المعركة الحقيقية، لينتقل الصراع من استعراض القوة في البحر إلى فرض السيادة في ساحة الاقتصاد. النفط بالنسبة للدولة ليس مجرد شحنات تُباع، بل هو العصب الحيوي لدفع الرواتب وتحسين الخدمات. وبقرار استئنافه، نسفت الدولة معادلة الابتزاز التي حاولت الجماعة فرضها منذ استهدافها لموانئ التصدير في أكتوبر 2022م.

أمام هذا التحول الاستراتيجي، انتابت الجماعة حالة هستيرية وتشنج بدا واضحاً في خطاب محمد علي الحوثي، الذي سارع للتوعد بـ "ألا تخرج قطرة نفط واحدة"، ليرتطم الخطاب الحوثي بمفارقة إنسانية وسياسية صارخة تفضح زيفه أمام اليمني والعالم.

فكيف لطرف يتباكى علناً على رواتب الموظفين، أن يكون هو نفسه الذي يهدد بقصف المورد الأساسي الذي يموّل هذه الرواتب؟ وكيف لجماعة تتحدث عن "السيادة الوطنية" أن تتباهى في ذات البيان بتنسيقها الكامل وتبعيّتها للمحور الإيراني؟

إن هذه المفارقات الفاضحة تلخص حقيقة المشهد اليوم؛ فالنفط في عُرف الميليشيا ليس ملكاً للشعب بل رهينة تفاوضية وأداة نفوذ، وهي تخشى استعادة الدولة لأدواتها الاقتصادية لأنها تدرك أن حضور الدولة يعني تلقائياً غياب الفوضى.

 لقد كشفت هذه الجولة أن الصراع في اليمن يدخل مرحلة جديدة؛ مرحلة لا تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول السيطرة على أدوات الدولة: السماء، والثروة، والموانئ، والقرار الوطني.

وفي هذه المعركة، لن تكون الغلبة للأصوات الأعلى. الغلبة دائمًا للجهات التي تحوّل القرار إلى واقع.

فالدول تُستعاد حين تستعيد وظائفها. والسلطة تُثبّت حين تصبح صاحبة القرار. أما الميليشيا فتعيش على الأزمات، وتفقد نفوذها كلما استعادت الدولة أدواتها السيادية.

من هنا، لم تعد المواجهة معركة بيانات. إنها معركة فرض إرادة. معركة تُجبر فيها "لغة الدولة" الحازمة الميليشيا على البقاء في حالة دائمة من الهستيريا والارتباك.

لقد كشفت هذه الجولة أن زمن التراخي قد ولّى. قطار الشرعية تحرك بالفعل. مسنوداً بالحق، والقانون، والدعم الأخوي الحازم من المملكة وقادتها ودول الإقليم.

الميليشيا تفقد آخر أوراق ضغطها. واليمن ينتقل إلى مرحلة جديدة تُكتب بحبر السيادة. المرحلة التي يبدأ قرارها اليوم... ويستمر غدًا.

"فالمستقبل لا تصنعه الميليشيات بالقرصنة والابتزاز، بل تصنعه الدول بفرض إيقاعها؛ ولهذا، فمن البحر إلى النفط.. هكذا أربكت 'لغة الدولة' هستيريا الميليشيا."

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال