المؤتمر الشعبي العام.. 44 عامًا من العطاء الوطني ومسيرة دولة تتطلع إلى المستقبل.د محمد حسن الوقيدي



في الرابع والعشرين من أغسطس عام 1982م، شهدت اليمن محطة سياسية ووطنية فارقة تمثلت في تأسيس المؤتمر الشعبي العام، الذي جاء في مرحلة تاريخية دقيقة كانت اليمن خلالها بحاجة إلى إطار وطني جامع يتجاوز الانقسامات ويضع مصلحة الوطن فوق الاعتبارات الحزبية والمناطقية والمصالح الضيقة.

وبعد أربعة وأربعين عامًا من تأسيسه، يقف المؤتمر الشعبي العام أمام ذكرى ليست مجرد مناسبة للاحتفال، وإنما محطة للتأمل في مسيرة وطنية وسياسية طويلة، واستحضار ما قدمه المؤتمر لليمن، وما واجهه من تحديات، وما يمكن أن يقدمه في المستقبل في سبيل استعادة الدولة وتعزيز مؤسساتها وتحقيق الأمن والاستقرار.

*الميثاق الوطني.. مشروع جامع لليمنيين*

شكّل الميثاق الوطني منذ انطلاقة المؤتمر الشعبي العام المرجعية الفكرية والوطنية التي عبّرت عن جملة من المبادئ والأهداف التي ارتبطت ببناء الدولة اليمنية الحديثة، وترسيخ قيم المواطنة والحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، وتعزيز الوحدة الوطنية.

ولم يكن الميثاق الوطني مجرد وثيقة سياسية، بل مثّل في جوهره محاولة لصياغة رؤية وطنية جامعة تستوعب مختلف مكونات المجتمع اليمني، وتؤكد أن اليمن لا يمكن أن يبنى إلا بالشراكة، واحترام التنوع، والاحتكام إلى المؤسسات والقانون.
ومن هذا المنطلق، ظل المؤتمر الشعبي العام يقدم نفسه باعتباره حزبًا وطنيًا يقوم على الوسطية والاعتدال، ويرفض الغلو والتطرف والإقصاء، ويؤمن بأن الاختلاف السياسي ينبغي أن يكون وسيلة للتنافس في خدمة الوطن، لا سببًا للصراع والاقتتال.

*المؤتمر تجربة سياسية.. ارتبطت بمشروع الدولة*

خلال مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود، ارتبط اسم المؤتمر الشعبي العام بمراحل مهمة من تاريخ اليمن الحديث، وفي مقدمتها التحولات السياسية والتنموية التي شهدتها البلاد، وتجربة التعددية السياسية والحزبية، وإجراء الانتخابات، وتوسيع المشاركة الشعبية في الحياة العامة.
كما ارتبط المؤتمر ارتباطًا وثيقًا بمشروع تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990م، التي مثلت حلمًا تاريخيًا لليمنيين، ومحطة مفصلية في تاريخ البلاد والمنطقة.

وقد شكلت الوحدة اليمنية إنجازًا وطنيًا كبيرًا، وأكدت أن اليمنيين قادرون على تجاوز الانقسامات وصناعة مستقبل مشترك عندما تتقدم المصلحة الوطنية على الحسابات السياسية الضيقة.

كما شهدت البلاد خلال مراحل مختلفة من تجربة المؤتمر توسعًا في مؤسسات الدولة، وشق الطرق، وتطوير الخدمات، وإنشاء المؤسسات التعليمية والصحية والإدارية، وتعزيز حضور اليمن في محيطه العربي والإقليمي والدولي.

ورغم أن تقييم التجربة السياسية والتنموية للمؤتمر يظل موضوعًا مفتوحًا للنقاش والنقد، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي الاعتراف بأن المؤتمر كان ولا يزال أحد أبرز الفاعلين السياسيين في تاريخ اليمن المعاصر.

*الديمقراطية والحرية والكرامة*
آمن المؤتمر الشعبي العام، في أدبياته وممارسته السياسية، بأهمية التعددية السياسية والحزبية، وبأن بناء الدولة لا يستقيم من دون احترام إرادة الشعب وحقه في المشاركة السياسية.
ومن هنا ارتبطت تجربته بمفاهيم الديمقراطية والانتخابات والتعددية وحرية الرأي والتعبير، وبالسعي إلى ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية، بما يضمن لكل يمني حقوقه وواجباته بعيدًا عن الانتماء المناطقي أو القبلي أو الحزبي.
إن الحرية والكرامة والعدالة والمساواة ليست شعارات سياسية عابرة، وإنما حقوق أصيلة للمواطن، وأسس لا غنى عنها لبناء دولة مستقرة وقادرة على حماية أبنائها وصون حقوقهم.

*المؤتمر أمام امتحان التاريخ*
لم تكن مسيرة المؤتمر الشعبي العام خالية من التحديات أو الأخطاء، فقد واجه الحزب، كما واجهت اليمن عمومًا، تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة.
وجاءت أحداث عام 2011 لتفتح مرحلة جديدة شديدة التعقيد، سرعان ما انعكست تداعياتها على مؤسسات الدولة وعلى الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وترافقت مع تصاعد حالة الاستقطاب والانقسام، وصولًا إلى الانقلاب الحوثي وما ترتب عليه من انهيار واسع في مؤسسات الدولة وتراجع الأمن والاستقرار.
ومنذ ذلك الحين، دخل اليمن مرحلة من أصعب مراحله التاريخية، تشظت فيها مؤسسات الدولة، وتوسعت رقعة الصراع، وتراجعت الخدمات، وتدهورت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، وأصبح المواطن اليمني هو المتضرر الأكبر من استمرار الأزمة.
كما واجه المؤتمر الشعبي العام نفسه ظروفًا قاسية أدت إلى تشتت قياداته وقواعده وانقسام مواقفه، وفقدان جزء من قدرته على أداء دوره السياسي بالشكل الذي كان عليه قبل تلك الأحداث.
ومع ذلك، فإن الأحزاب السياسية العريقة لا تقاس فقط بقدرتها على تجاوز فترات القوة والازدهار، وإنما بقدرتها على الصمود أمام الأزمات وإعادة بناء نفسها واستعادة دورها الوطني.

*اليمن بين مخططات التفكيك ومشروع الدولة*
خلال السنوات الماضية، واجه اليمن مخاطر متعددة استهدفت وحدته وأمنه واستقراره ونسيجه الاجتماعي، وتداخلت فيها عوامل داخلية وخارجية، وأدت إلى إضعاف الدولة ومؤسساتها، وفتح المجال أمام المليشيات والجماعات المسلحة لفرض واقع خارج إطار الدولة والقانون.
وفي مقدمة هذه المخاطر يأتي الانقلاب الحوثي الذي أدى إلى السيطرة المسلحة على مؤسسات الدولة، وإضعاف مؤسساتها الدستورية والأمنية والعسكرية، وفرض واقع سياسي وأمني بالقوة.
وأمام هذه التحديات، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مشروع وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها، ويضع مصلحة اليمنيين فوق كل الحسابات، ويعيد بناء الثقة بين أبناء الوطن، ويعمل على إنهاء حالة الانقسام والتشظي.

*المؤتمر الشعبي العام.. قاعدة جماهيرية ومسؤولية وطنية*
رغم كل ما تعرض له المؤتمر الشعبي العام من صعوبات وانقسامات، فإنه لا يزال يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة في مختلف المحافظات اليمنية، وهو رصيد سياسي واجتماعي لا يمكن تجاهله في أي مشروع وطني مستقبلي.
وهذه القاعدة الجماهيرية تمثل مسؤولية قبل أن تكون ميزة؛ فالمؤتمر مطالب اليوم بإعادة ترتيب صفوفه، وتوحيد رؤيته، وتجديد خطابه السياسي، والعودة إلى جوهر مشروعه الوطني القائم على الوسطية والاعتدال والشراكة والمواطنة المتساوية.
كما أن استعادة المؤتمر لدوره لا ينبغي أن تكون من أجل استعادة نفوذ سياسي أو مكاسب حزبية، وإنما من أجل الإسهام في استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها، وإعادة بناء الحياة السياسية على أسس ديمقراطية ودستورية، وإيجاد شراكة وطنية حقيقية تجمع مختلف القوى والمكونات.

*استعادة الدولة.. أولوية وطنية*
إن استعادة الدولة ومؤسساتها من سيطرة المليشيات الحوثية الانقلابية، وإنهاء الانقلاب، وتحرير المحافظات اليمنية، وبسط سلطة القانون، تمثل جميعها أهدافًا وطنية لا تخص حزبًا بعينه، وإنما تمس مستقبل اليمنيين جميعًا.
واليمن بحاجة إلى دولة قوية بمؤسساتها، لا بقوة الأشخاص؛ دولة يحكمها الدستور والقانون، لا السلاح؛ دولة تحمي الحقوق والحريات، وتصون كرامة المواطن، وتساوي بين أبنائها، وتوفر الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية.
ومن هنا فإن المؤتمر الشعبي العام، بما يمتلكه من تجربة سياسية وتاريخ تنظيمي وقاعدة جماهيرية، يستطيع أن يكون جزءًا أساسيًا من مشروع وطني واسع لإعادة بناء الدولة، شريطة أن يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وأن يستفيد من دروس الماضي، ويتجاوز أخطاء المرحلة، ويفتح صفحة جديدة تقوم على الشراكة والتسامح والمصالحة الوطنية.

*نحو مستقبل يستعيد فيه اليمن عافيته*
إن الذكرى الرابعة والأربعين لتأسيس المؤتمر الشعبي العام تأتي واليمن في أمسّ الحاجة إلى استعادة روح العمل الوطني الجامع، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وإحياء قيم الحوار والتسامح والاعتدال.

والمستقبل لا يمكن أن يبنى بالعودة إلى صراعات الماضي، وإنما بالتعلم من دروسه، وبناء عقد وطني جديد يشارك فيه جميع اليمنيين، ويحمي الجمهورية والوحدة، ويصون الحريات والحقوق، ويؤسس لدولة المؤسسات والقانون.
إن المؤتمر الشعبي العام، وهو يدخل عامه الرابع والأربعين، أمام فرصة تاريخية لإعادة تقديم نفسه باعتباره مدرسة وطنية وتجربة سياسية عريقة، قادرة على المساهمة في صياغة مستقبل اليمن إذا استطاع أن يجمع صفوفه، ويجدد خطابه، ويعيد بناء مؤسساته، ويضع اليمن أولًا.
وفي هذه المناسبة، تبقى الرسالة الأهم أن اليمن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الأشخاص، وأن الدولة هي المظلة التي ينبغي أن تجمع الجميع.

فاليمن الذي عرف الوحدة، وعرف التعددية السياسية، وعرف الانتخابات والديمقراطية، قادر على استعادة عافيته وبناء مستقبله.

والمطلوب اليوم هو يمن آمن ومستقر، موحد وقوي، تسوده العدالة والمساواة، وتصان فيه الحريات والكرامة، وتُحترم فيه إرادة الشعب، وتُستعاد فيه مؤسسات الدولة، وينعم فيه كل مواطن بالأمن والاستقرار والتنمية.

وفي ذكرى تأسيس المؤتمر الشعبي العام، تظل الآمال معلقة على قدرة القوى الوطنية، وفي مقدمتها المؤتمر، على تجاوز الماضي، واستعادة دورها، والمساهمة في بناء يمن جديد يستند إلى إرثه الوطني، ويتطلع بثقة إلى المستقبل.

كل عام واليمن وشعبه بخير، وكل عام والمؤتمر الشعبي العام أكثر قدرة على الإسهام في خدمة الوطن، والدفاع عن الجمهورية والوحدة، واستعادة الدولة وبناء مستقبل آمن ومستقر لكل اليمنيين.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال