المملوح.. فارس الكلمة والبندقية. فيصل الشبيبي



الأخ والزميل العزيز عبد الناصر المملوح، صحفيٌ من طراز خاص، يؤمن بأن الكلمة مسؤولية، وأن الصحافة في أوقات الخطر موقف وشجاعة، وأن قول الحقيقة والدفاع عنها شكلٌ من أشكال المقاومة.

عرفته من خلال صحيفة «الجمهور»، أثناء حروب التمرد التي أشعلتها ميليشيا الحوثي 2004، حيث لم يكن يمر أسبوع إلا ويُجري مقابلة مطولة مع قائد عسكري، أو شيخ قبلي، أو مسؤول محلي، يكشف حقيقة هذه الميليشيا الإجرامية ويعرّي زيفها، فقد كان يدرك، مبكراً، خطورة هذا المشروع السلالي العنصري والطائفي البغيض، وما يضمره لليمن والجمهورية من شرور وأطماع.

بعدها انتقل للعمل في صحيفة «اليمن اليوم» مديراً لتحريرها منذ انطلاقها في مايو 2012، وكان نعم المسؤول المهني، المحترم، الوفي لمهنته قبل قيادته، يعمل بلا كلل أو ملل مع طاقم الصحيفة وبروح الفريق الواحد، يؤمن بأن نجاح الصحيفة لا يصنعه فرد، وإنما يصنعه فريق تجمعه المهنية والالتزام والانتماء، واستمر مدافعاً عن القضايا الوطنية بالروح القتالية نفسها.

ومع انطلاق شرارة انتفاضة الثاني من ديسمبر 2017، كان السبّاق كعادته، حاضراً في قلب الحدث، مؤمناً بأن مواجهة الانقلاب لا تكون بالبيانات وحدها، وأن الوطن حين يكون في خطر يحتاج إلى رجال يتقدّمون الصفوف، لا إلى أصوات تختبئ خلف الكلمات.

وعقب وصول الفريق طارق صالح إلى عدن في يناير 2018، كان عبدالناصر من أوائل من انضموا إلى المقاومة الوطنية، واضعاً خبرته الصحفية إلى جانب إرادته الوطنية، ومؤكداً أن المعركة التي بدأت بالكلمة ستحتاج، حين تفرض الظروف، إلى البندقية.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد عبدالناصر مجرد صحفي يغطي المعركة، بل أصبح واحداً من رجالها، يدير الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية إلى جانب عمله رئيسًا لتحرير وكالة «2 ديسمبر».

حمل القلم كما حمل السلاح، وظل وفيّاً لفكرة الجمهورية التي آمن بها، ولليمن الذي يرى أنه يستحق دولة لا عصابة، ومواطنة لا امتيازات طبقية، ومستقبلًا لا تحكمه الخرافة والعنصرية.

وها هو اليوم يصول ويجول في ساحل تهامة، ليلاً ونهاراً، لا يخشى هذه العصابة وإجرامها، يقاومها بالكلمة والقلم والبندقية، ويقف في الصفوف التي اختارها منذ اللحظة الأولى، حين كان كثيرون لا يزالون يبحثون عن مواقعهم ومواقفهم.

لم يتغير عبدالناصر، ففي الميدان هو ذلك الصحفي الذي يعرف قيمة الصورة والكلمة، وفي غرفة الأخبار هو ذلك المهني الذي يعرف معنى المسؤولية، وفي المعركة هو المقاتل الذي يعرف لماذا يحمل بندقيته.

أصيب مؤخراً في قصف ميليشيا الحوثي لميناء المخا، لكن الإصابة لم تنل من عزيمته، ولم تطفئ في داخله جذوة الموقف. فقد ظل، ولا يزال، شامخاً كالطود، وكأن الجراح عند أمثاله ليست نهاية الطريق، وإنما شهادة جديدة على صدق الموقف وصلابة الرجال.

عبدالناصر المملوح واحد من أولئك الذين لا يمكن اختزال سيرتهم في وظيفة أو منصب، لأنه اختار أن يكون حيث تكون المسؤولية، وحيث يكون الخطر، وحيث تحتاج الجمهورية إلى رجال لا يترددون.

من صحيفة «الجمهور» إلى «اليمن اليوم»، ومن الكلمة إلى البندقية، ومن مقاعد الصحافة إلى خطوط النار، ظل الرجل ثابتاً على مبادئه، راسخاً في موقفه، وفيّاً لقضيته.

وهؤلاء هم الرجال الذين تنصفهم المواقف لا الألقاب، وتكشف معادنهم الشدائد لا المناسبات.

كل التحية والتقدير للأخ والزميل العزيز عبدالناصر المملوح، الصحفي المقاتل، والجمهوري الصلب، للرجل الذي لم يكتفِ بأن يكتب عن المعركة، بل نزل إلى ميدانها، ولم يكتفِ بأن يَصفَ الأبطال، بل كان واحدًا منهم.

سلامٌ على الشهداء الأبطال الذين ينيرون لنا الدروب بدمائهم الزكيّة وأرواحهم الطاهرة، وعلى على الجرحى الذين يحملون في أجسادهم أثر المعركة، وسلامٌ على من اختاروا طريق الجمهورية، مهما طال الطريق وكثرت التضحيات.

فبمثل عبدالناصر، ورفاقه الأبطال، تبقى الكلمة حاضرة، والبندقية في يد أصحابها، ويبقى الإيمان راسخاً بأن الشعب اليمني لا بد أن يستعيد مؤسسات دولته وجمهوريته، وأن الطريق إلى ذلك، مهما طال، لا بد أن ينتهي بانتصار الدولة على الانقلاب، والجمهورية على الخُرافة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال