إلى متى أيها الثمانية تتركون اليمن رهينة التردد؟حين يغيب القرار الموحد... يفرض الخصم زمان المعركة ومكانها. د. علي العسلي



أيها الثمانية...

ليس السؤال اليوم: هل تعرفون حقيقة ما يجري؟ فالمشهد لم يعد يحتاج إلى لجان تقصٍّ أو تقارير إضافية، ولم يعد مشروع الحوثي خافيًا على أحد. فقد أصبح خطره واضحًا، وأهدافه معلنة، وأدواته معروفة، ولم يعد ينقص اليمنيين تشخيص المشكلة، بل انتظار القرار الذي يضع حدًا لمسار طويل من الاستنزاف والعبث.

السؤال الحقيقي هو: إلى متى ستظل القرارات الجمهورية والرئاسية، بعد صدورها، عرضة للخلاف والمراجعة والتجاذب؟ وإلى متى يتحول القرار السيادي إلى مادة للأخذ والرد، فيُجمَّد بعضه، ويُعدَّل بعضه، أو تعاد ترتيبات سبقت صدوره، وكأن قرار الدولة مجرد ورقة قابلة للمساومة، لا عنوانًا لهيبة المؤسسات؟

ثم تأتي اجتماعات استثنائية تُعلن بعدها حالة التوافق، وتتبادل فيها القيادات عبارات الشكر والتقدير، بينما ينتظر اليمنيون مخرجات تعكس قوة الدولة لا مجرد تسويات مؤقتة، وقرارات تحفظ هيبة المؤسسات لا إجراءات تقوم على الترضية والاسترضاء.

لقد تضررت هيبة القرار الجمهوري والرئاسي عندما أصبح قابلًا للتراجع بعد صدوره، وعندما باتت بعض القرارات التي تمس جوهر الدولة ومؤسساتها تخضع لحسابات التوافق والترضيات حتى مع قوى لم تكن يومًا على انسجام مع مشروع الجمهورية والسلطة الشرعية. وأصبحت الدولة تدفع ثمن الخلاف داخل المؤسسة التي يفترض أن تقود معركة استعادة الجمهورية وبناء مؤسساتها، لا أن تنشغل بإدارة التباينات على حساب معركة المصير الوطني.


فإلى متى سيظل القرار الوطني رهين هذه الخلافات، بينما يدفع اليمن واليمنيون ثمن غياب الموقف الموحد؟
لقد مضت سنوات والحوثي يوسع مشروعه؛ يصادر موارد الدولة، ويعطل مؤسساتها، ويبني اقتصادًا موازيًا، ويهدد الملاحة الدولية، ويستهدف المنشآت الحيوية، ويستنزف الجبهات، ويحاول فرض معادلات جديدة كلما وجد فرصة لذلك.

وجاء الاستهداف الأخير لمعسكرات ووحدات القوات المسلحة في مأرب وحضرموت ليؤكد أن الطرف الآخر لا ينتظر اكتمال خلافاتكم أو انتهاء نقاشاتكم. فقد طالت الضربة مواقع تدريب وتجهيز، وسقط شهداء وجرحى من جنود كانوا يؤدون واجبهم الوطني في حماية الوطن وتأمين المناطق والطرق ومواجهة شبكات التهريب والجريمة المنظمة.

ولم يترك الحوثيون مجالًا للغموض؛ فقد أعلنوا مسؤوليتهم عن العملية، وقدموا روايتهم باعتبارها خطوة استباقية وبداية لمرحلة جديدة من التصعيد، وترافقت العملية مع حملة إعلامية وسياسية هدفت إلى إظهار أنهم يمتلكون زمام المبادرة، وأنهم القادرون على تحديد توقيت المواجهة ومسارها.

لكن هذه الخطوة، رغم خطورتها، قد تكون أيضًا خطأً استراتيجيًا إذا أحسنت الدولة والقوى الوطنية قراءة اللحظة والتعامل معها. فالتصعيد الواسع، واستهداف القوات المسلحة والمناطق الحيوية، ومحاولة فرض واقع جديد بالقوة، قد يدفع إلى تجاوز الخلافات، وتوحيد الصفوف، وإنهاء حالة التردد التي طالما استفاد منها الحوثي.

فالجماعات لا تفقد نفوذها فقط عندما تواجه خصمًا أقوى منها، بل قد تبدأ خسارتها عندما تخطئ تقدير اللحظة، فتدفع خصومها إلى استعادة تماسكهم والانتقال من رد الفعل إلى المبادرة. وقد يكون الحوثي، وهو يحاول تثبيت صورة القوة المطلقة، قد فتح الباب أمام مرحلة جديدة إذا امتلكت الدولة شجاعة القرار وحسن إدارة هذه اللحظة.

لقد أثبتت هذه الحادثة أن أخطر ما يهدد الدولة ليس قوة الخصم وحدها، بل استمرار غياب القرار الموحد. فالخصم يستثمر كل لحظة تردد، وكل خلاف داخل القيادة، وكل تأخير في الحسم، ليحولها إلى مكاسب سياسية وعسكرية.

ولعل أخطر ما كشفته هذه اللحظة ليس فقط قدرة الحوثي على استثمار الانقسام، بل خطورة استمرار الخلافات داخل الجبهة الوطنية في وقت تحتاج فيه الدولة إلى أعلى درجات التماسك. فالمعارك الكبرى لا تُحسم فقط بقوة السلاح، بل بقدرة القوى الوطنية على تقديم مصلحة الدولة فوق حسابات اللحظة والخلافات البينية.

ولم يعد الصراع يُدار بالسلاح وحده، بل بالرواية أيضًا. فالضربة العسكرية سبقتها وتلتها رسائل نفسية وسياسية هدفت إلى بث الثقة في صفوف أنصار الحوثيين، وإضعاف معنويات خصومهم، وإقناع الرأي العام بأن المبادرة أصبحت بأيديهم. ولذلك فإن استعادة المبادرة لا تبدأ من الرد العسكري وحده، وإنما تبدأ بامتلاك الدولة قرارها وخطابها وثقة مواطنيها بها.

كما أن التطورات الإقليمية المتسارعة تؤكد أن اليمن لم يعد ساحة منفصلة عما يجري حوله. ومع تصاعد المخاطر والتهديدات، تصبح وحدة القرار الوطني ضرورة لا تحتمل التأجيل، حتى لا تجد الدولة نفسها أمام استحقاقات أكبر وهي ما تزال تعاني من الانقسام والتردد.

إن حماية الدولة لا تكون بإدارة الأزمة، بل بامتلاك زمام المبادرة. ولا يمكن بناء الردع بقرارات مترددة أو مواقف متعارضة، وإنما بقيادة موحدة، ورؤية واضحة، وإرادة قادرة على تحويل الإمكانات إلى فعل.

أيها الثمانية...

أنتم اليوم أمام مسؤولية تاريخية. فإما أن توحدوا القرار السياسي والعسكري، وتنهوا حالة الانتظار، وتضعوا استراتيجية واضحة لاستعادة الدولة وحماية اليمنيين، وإما أن يستمر الخصم في فرض قواعد الاشتباك وتحديد ساحات التصعيد وتوقيته، بما يضاعف كلفة المعركة ويمنح مشروع الحوثي مزيدًا من المساحات.

إن دماء الجنود التي سالت في مأرب وحضرموت ليست أرقامًا في بيانات رسمية، بل أمانة في أعناق من يملكون القرار.

لقد سقطت المبررات، ولم يعد هناك متسع لمزيد من التردد. فالخطر لم يعد في احتمال التصعيد، بل في استمرار خصم يمتلك المبادرة ويحاول فرض معادلاته على الأرض والوعي معًا.

ومع ذلك، فإن اللحظة الراهنة ليست لحظة انكسار للدولة، بل لحظة اختبار لقدرتها على النهوض. فالخصوم قد يربحون جولة، لكنهم لا يحسمون التاريخ بالضربات وحدها. وما يحدد مستقبل اليمن هو قدرة الدولة على تحويل الألم إلى قرار، والخسارة إلى مراجعة، والتحدي إلى فرصة لاستعادة الجمهورية ومؤسساتها.

فإذا لم تكن هذه اللحظة، بما حملته من رسائل عسكرية وسياسية، كافية لإنهاء مرحلة التردد واستعادة زمام المبادرة، فمتى يكون وقت القرار؟

فالدول لا تنهض عندما تنتظر اللحظة المناسبة، بل عندما تصنعها.

وجمعة مباركة

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال