أكبر هجوم مالي أميركي على إيران.. فهل تستسلم طهران؟


تستعد واشنطن لفرض حزمة جديدة من العقوبات على إيران، في خطوة تصفها الإدارة الأميركية بأنها من أشد الإجراءات المالية التي تستهدف طهران، بينما تتسارع التحركات الإقليمية باتجاه إيران بحثًا عن مخارج قبل دخول الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ، وسط حديث عن ما بات يوصف بـ"يوم الإنزال الاقتصادي".

ويستعد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت للإعلان عن إجراءات تستهدف مصادر الدخل التي لا تزال تمنح طهران هامشًا للحركة، وفي مقدمتها النفط والتجارة والتحويلات المالية، إلى جانب الشبكات التي تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات.

ولا تقتصر الحملة على الجهات الإيرانية، إذ يمكن أن تطال الشركات والمصارف والكيانات التي تواصل التعامل مع طهران، خصوصاً في الصين والإمارات وهونغ كونغ وسنغافورة، عبر عقوبات ثانوية ترفع كلفة التعامل مع الاقتصاد الإيراني.

ويأتي النفط في قلب هذه المواجهة، مع سعي واشنطن إلى تضييق الخناق على السفن والموانئ والجهات التي تساعد في نقل الخام الإيراني وتسويقه، فيما تمثل الصين الحلقة الأهم في هذه المعادلة باعتبارها السوق الرئيسية للنفط الإيراني.

لكن المشكلة التي تواجهها واشنطن لا تتعلق فقط بقدرتها على فرض العقوبات، وإنما بقدرتها على إغلاق المنافذ التي اعتادت إيران استخدامها لتجاوزها. فطهران راكمت خلال سنوات العقوبات شبكات مالية وتجارية ووسطاء مكّنوها من مواصلة جزء من تجارتها رغم القيود الأميركية.

وفي موازاة ذلك، تطرح واشنطن أدوات أخرى للضغط، بينها استخدام الرسوم الجمركية ضد الدول التي تستمر في علاقاتها التجارية أو العسكرية مع إيران، بينما تبقى فكرة تشديد الرقابة على طرق التجارة البرية عبر دول الجوار، مثل العراق وتركيا وباكستان وأذربيجان، خياراً أكثر تعقيداً بسبب الحسابات السياسية واللوجستية.

وتأتي هذه الإجراءات فيما تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة، مع انعكاسات مباشرة على العملة والأسعار والقدرة الشرائية، في وقت تقلل فيه طهران من تأثير التهديدات الأميركية وتتعهد بالرد.

وبذلك تدخل المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة، تنتقل فيها أدوات الضغط من الميدان العسكري إلى النفط والمال والتجارة.

 وإذا نجحت واشنطن في إغلاق هذه المنافذ، فقد لا يكون السؤال فقط عن قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود، بل عن مدى قدرة النظام نفسه على تحمل الضغط.

لكن قبل وصول العقوبات إلى هذه المرحلة، تتحرك وساطات إقليمية بحثاً عن مخرج.

فهل تنجح واشنطن في خنق الاقتصاد الإيراني، أم تجد طهران منافذ جديدة؟ وهل يسبق الوسطاء "يوم الإنزال الاقتصادي"؟

العقوبات تخنق اقتصاد إيران.. لكن هل تُجبر طهران على تغيير سلوكها؟

يقول محمد جعفر، المحلل السياسي، في حديثه لوكالة ستيب نيوز، إن الحكم على نجاح العقوبات الأميركية تجاه إيران يتطلب التمييز بين أثرها الاقتصادي ونتائجها السياسية.

ويرى أن العقوبات المشددة قادرة على إلحاق ضرر واضح بالاقتصاد الإيراني، من خلال تقليص العائدات النفطية ورفع كلفة التجارة والتحويلات، بما يزيد الكلفة المالية ويضيّق قدرة طهران على الحصول على العملة الصعبة وتمويل مؤسسات الدولة والقطاع العسكري.

ويشير إلى أن الضغط الأميركي يمكن أن يستهدف أيضاً الشبكات العاملة في الصين، سواء تلك المرتبطة بتصدير النفط الإيراني أو الشركات التي تستقبل الخام، إلى جانب البنية التي تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات.

لكن هذا الضرر الاقتصادي، بحسب جعفر، لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي الأميركي، فالتجربة الإيرانية الممتدة لسنوات أظهرت قدرة النظام على التكيف مع اقتصاد العقوبات، عبر التجارة غير الرسمية وشركات الواجهات والأساطيل الشبحية، فضلاً عن الاعتماد على الصين والتعاملات الدولارية.

ويضيف أن العقوبات قد تجعل الصمود الإيراني أكثر تكلفة، لكنها لا تضمن تلقائيًا تغيير سلوك النظام أو دفعه إلى قبول المطالب الأميركية، مؤكداً أن العلاقة بين الضغط الاقتصادي والنتيجة السياسية ليست بهذه البساطة.

من جهته، يرى إياد المحمدي، المحلل السياسي، أن العقوبات التي فُرضت سابقاً على إيران لم تتمكن من خنق اقتصادها بالكامل، لكنه يعتقد أن الخطة الأميركية الجديدة قد تكون قادرة على إحداث ضرر اقتصادي أكبر بكثير، خصوصاً إذا اقترنت بمنع أو تعطيل مصدر الإيرادات النفطية.

ويصف المحمدي النفط بأنه "وحش الاقتصاد الإيراني"، موضحاً أن طهران لم تكن بحاجة إلى بيع نفطها بالطريقة التقليدية التي تتبعها الدول الأخرى، إذ كان يكفيها العثور على مشترين مستعدين للمخاطرة مقابل الحصول على النفط الإيراني بأسعار مخفضة.

ويشير إلى أن تدخل وزارة الخزانة الأميركية يأتي في هذا السياق، مع استعدادها لتوسيع نطاق العقوبات الثانوية ليشمل مزيدًا من الجهات التي تساعد إيران على الصمود، معتبراً أن واشنطن تتحرك باتجاه استهداف الأطراف التي توفر لطهران منافذ للاستمرار في تجارتها النفطية.

ويرى أن الإدارة الأميركية تضع، من خلال هذه الإجراءات، سيناريو يقوم على "الموت البطيء للاقتصاد بالموت السريع للتجارة النفطية لإيران"، في محاولة للضغط على المصدر الأهم للإيرادات التي تعتمد عليها طهران.

ويأتي هذا التوجه في وقت تستعد فيه واشنطن فعلاً لتوسيع نطاق العقوبات الثانوية على جهات ودول تواصل التعامل التجاري مع إيران، مع تركيز واضح على قنوات التجارة والنفط والتمويل.

النفط الإيراني في مرمى العقوبات.. هل تتحدى الصين العقوبات الأميركية؟

وفيما يتعلق بتأثير العقوبات على النفط الإيراني وموقف الصين منها، يعتقد جعفر أن بكين تمثل العامل الحاسم في فعالية العقوبات النفطية على إيران، لأنها تستوعب الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيراني.

ويلفت إلى أن واشنطن ركزت بصورة متزايدة على السفن والوسطاء والمصافي الصينية التي تسمى "المستقلة"، والتي تتعامل مع النفط الإيراني.

لكن الصين، بحسب جعفر، لن تختار بين الخضوع الكامل لهذه العقوبات أو تحديها بالكامل، وإنما ستسعى إلى حماية شركاتها ومصارفها الكبرى من العقوبات الأميركية، مع إبقاء قنوات محدودة للتجارة من خلال شركات أقل ارتباطاً بالنظام المالي الأميركي.

ويشير إلى أن نجاح واشنطن في خفض صادرات إيران سيعتمد، بدرجة كبيرة، على مدى استعدادها لرفع تكلفة شراء النفط الإيراني على الجانب الصيني، معتبراً أن هذه النقطة تمثل إحدى النتائج المهمة للعقوبات.

أساطيل شبحية وشركات واجهة.. كيف تناور إيران على العقوبات؟

أما إغلاق منافذ الالتفاف على العقوبات، فيرى جعفر أنه سيكون أمراً صعباً، موضحاً أن إيران استطاعت بناء شبكة معقدة وكبيرة من المنافذ والطرق التي تمكنها من الالتفاف على العقوبات.

ويذكر في هذا السياق شركات الواجهة، وكثيراً من الوسطاء، وعمليات نقل النفط عبر ما يعتقد أنها "الأساطيل الشبحية".

كما يشير إلى القنوات المالية والتجارية الموجودة خارج النظام التقليدي في العالم، معتبراً أن هذه القنوات أثبتت جدواها وأصبحت جزءاً من عملية الالتفاف الإيرانية على العقوبات.

لكن هذه العملية، بحسب جعفر، ليست بلا كلفة، إذ تجبر إيران على تقديم خصومات كبيرة حتى تتمكن من الالتفاف على العقوبات، سواء من خلال الخصومات على الأسعار، أو استخدام وسطاء جدد، أو تحمل تكاليف إضافية ومخاطر أعلى.

ويؤكد أن واشنطن قد لا تستطيع خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل، لكنها ستتمكن من تقليص العائد الحقيقي الذي يحصل عليه الإيرانيون، كما ستجعل عملية الالتفاف أكثر صعوبة وكلفة بالنسبة إلى إيران.

في المقابل، يرى إياد المحمدي، أن محاولة واشنطن إغلاق جميع منافذ الالتفاف ستدفعها بصورة متزايدة إلى ممارسة الضغط على الصين وروسيا ودول أخرى، وهو ما قد يحوّل العقوبات من أداة تستهدف إيران إلى مشكلة جيوسياسية أوسع.

ويشير المحمدي إلى أن طهران تستغل هذه النقطة، وعلى أساسها طورت طرقها في الالتفاف على العقوبات السابقة، مستفيدة من اتساع شبكة العلاقات والقنوات التي تسمح لها بمواصلة التعاملات رغم القيود الأميركية.

لكن المحمدي يرى أن المعادلة قد تكون مختلفة مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، معتبراً أن هناك جدية أكبر لدى الإدارة الحالية، مقارنة بالإدارات السابقة في البيت الأبيض، لتنفيذ ما عجزت عنه الإدارات السابقة.

ويضيف أن تطبيق العقوبات الجديدة سيكون أكثر شراسة، وهو ما ظهر، بحسب رأيه، في تصريحات وزارة الخزانة الأميركية خلال الفترة الماضية، وما تستعد واشنطن للإعلان عنه من خطة لتطبيق العقوبات أمام أنظار دول العالم.

خنق الاقتصاد لا يُسقط النظام.. فهل تختار طهران التفاوض أم التصعيد؟

وعن إمكانية أن تهدد العقوبات بقاء النظام الإيراني أو تدفعه إلى التفاوض، يعتقد جعفر أن الضغط الاقتصادي وحده لا يعني بالضرورة سقوط النظام.

ويوضح أن تحويل الأزمة الاقتصادية إلى تهديد سياسي وجودي يحتاج إلى انقسامات داخل السلطة، واحتجاجات واسعة، وتراجع قدرة الدولة الإيرانية وأجهزتها على إدارة الأزمة.

ويؤكد أن المسألة ليست بهذه البساطة، وأن الضغط الاقتصادي وحده يحتاج إلى عوامل أخرى، ولا يستطيع بمفرده إسقاط النظام.

ويرى أن تجديد العقوبات على إيران سيضع طهران أمام مزيج من التفاوض والتصعيد، موضحاً أنه إذا أرادت طهران أو شعرت بأن التسوية أقل تكلفة من استمرار الضغط، فقد تتجه إلى تقديم تنازلات.

أما إذا اقتنعت إيران بأن الهدف هو إسقاط النظام وليس تعديل سلوكه، فيرجح جعفر أن تتجه إلى مزيد من التصعيد.

ويشير إلى أن فعالية العقوبات الأميركية تبقى مرتبطة بوجود مخرج دبلوماسي واضح يستطيع تحويل الضغط الاقتصادي إلى نتيجة سياسية.

ويختتم جعفر بالقول إن العقوبات الأميركية ربما تكون قادرة على جعل بقاء الاقتصاد الإيراني أكثر تكلفة، لكنها ليست قادرة بمفردها على ضمان تغيير سلوك النظام.

ويعتبر أن العامل الحاسم في هذه العقوبات يتمثل في الصين من جهة، وقدرة الولايات المتحدة على استهداف شبكات الالتفاف من جهة أخرى.

وفي المقابل، يحذر من أن الإفراط في الضغط من دون مخرج دبلوماسي قد يدفع إيران إلى التصعيد بدل التنازل، مشيراً إلى أن التجربة أثبتت ذلك.

ويرى أن المعركة الحقيقية ليست بين العقوبات والصمود الإيراني، وإنما تكمن في قدرة الولايات المتحدة على تحويل الضغط الاقتصادي إلى مكسب سياسي، وفي قدرة إيران، من جهة أخرى، على تحويل الصمود الاقتصادي إلى ورقة تفاوضية.

ومن جهته، يرى إياد المحمدي، المحلل السياسي، أن تطبيق خطة وزارة الخزانة الأميركية الجديدة سيؤدي إلى انخفاض الإيرادات، وانهيار قيمة العملة الإيرانية، وتراجع قدرة الدولة على التمويل، إضافة إلى تصاعد الضغط الاجتماعي.

ويشير المحمدي إلى أن تراكم هذه الضغوط قد يقود إلى صراع داخل النخبة، مستشهدًا بالمظاهرات السابقة التي حدثت في إيران، والتي كان للبازار الإيراني دور فيها، بحسب تقديره.

ويلفت إلى أن سياسة الضغط على الاقتصاد الإيراني عبر تحطيم قيمة الريال انعكست بالفعل على العملة، التي وصلت إلى مستوى قياسي من الانخفاض، بالتزامن مع تضخم وارتفاع كبير في أسعار المواد الأساسية.

ويرى أن ما يمكن توقعه مع تطبيق خطة الخزانة الأميركية الجديدة هو مزيد من الضغط، خصوصًا مع سلسلة العقوبات التي ستطال دولاً تتعاون مع إيران، إضافة إلى العقوبات المفروضة على طهران نفسها.

ويعتبر أن هذه النقطة تمثل الجانب الجديد في الخطة الأميركية، متوقعاً أن تكون الإجراءات "قاصمة لظهر الاقتصاد الإيراني"، لأنها لن تمس المؤسسات الحكومية الإيرانية فقط، وإنما ستطال المواطن الإيراني بصورة مباشرة أيضاً.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال