تُظهر مجوهرات وخنجر يُقال إنه جرى عرضها للبيع داخل اليمن، وعرشٌ مستقرّ في متحف فرنسي، وتمثالان يخضعان لإجراءات قضائية أمام المحاكم السويسرية، أن تجارة الآثار تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من كتالوجات الملاذات وصالات المزاد العلني.
قبل أن تظهر الآثار اليمنية خلف الزجاج المعروض في المتاحف أو على منصات المزادات الدولية، تتداول الأوساط صوراً لقطعٍ يُقال إنها معروضة للبيع داخل البلاد.
وبين هاتين المرحلتين، غالباً ما تظل التفاصيل الجوهرية مفقودة: مَن الذي نقّب عن القطعة؟ ومَن المشتري الأول لها؟ وكيف عبرت الحدود؟ وما هي الوثائق التي رافقت دخولها إلى مجموعة خاصة في الخارج؟
تتبعت منصة "شيبا إنتليجنس" المعلومات والصور المنشورة والمتعلقة بمجوهرات ذهبية نُسبت إلى ظفار والجوف، ومقبض خنجر يُقال إنه عُرض للبيع في يريم. كما فحص التحقيق عرشاً سبئياً موجوداً في "متحف شامبليون" بفرنسا، وتمثالين محلين في إجراءات قانونية في جنيف، ورأساً أثرياً منحوتاً يُقال إنه دخل سوق المبيعات الخاصة.
اعتمد هذا البحث على منشورات الباحث المستقل عبد الله محسن، الذي يتتبع الآثار اليمنية وحصل على جائزة الاتحاد العام للأثريين العرب لعام 2025 لحماية المواقع والمباني الأثرية من المخاطر النزاعات المسلحة. كما شمل البحث مراجعةً لسجلات المتاحف، الوثائق القضائية، والمصادر الأكاديمية.
لا تثبت هذه الحالات وجود شبكة واحدة تُسيطر على القطع المعنية، إلا أنها تكشف عن مراحل مختلفة من فقدان التراث اليمني: قطع يُقال إنها تتداول محلياً، وأخرى تُعرض خارج صالات المزادات العلنية، وقطع أصبحت استعادتها تعتمد اليوم على سجلات الملكية والإجراءات القانونية في الخارج.
قطع ما يزال من الممكن حمايتها
تُظهر الصور ألواحاً وأقراطاً وخواتم وأساور ذهبية نُسبت في الحسابات المنشورة إلى ظفار والجوف، ويُقال إنها عُرضت للبيع في محافظة إب.
وتصف معلومات أخرى مجوهرات وقطعاً برونزية معروضة للبيع في يريم، بما في ذلك مقبض خنجر أو سيف مزخرف وسوار ملتوي.
وفي تناوله لهذه المجموعة، يتهم محسن شبكةً متورطة في نهب المواقع في إب وذمار بالاستفادة من حماية أو تغاضي شخصيات محلية نافذة. وذكر أن صور المقبض والسوار وردت من مصدر طلب عدم الكشف عن هويته.
تكمن أهمية هذه التقارير في أنها تتصل بقطع يُعتقد أنها ما تزال داخل اليمن، بدلاً من كونها آثاراً لم تُكتشف إلا بعد وصولها إلى الأسواق الخارجية.
وإذا ما تم التثبت من صحة هذه المعلومات، فإن تحديد حائزيها وأماكن تخزينها قد يوفر فرصة لمنع تهريبها إلى الخارج واستعادة الأدلة المتعلقة بظروف التنقيب عنها.
تُوثق الصور المظهر الخارجي للقطع وزخارفها، لكنها لا تُثبت بمفردها مكان التنقيب عن القطع، أو تاريخ التقاط الصور، أو الجهة المسؤولة عن المتاجرة بها. وهذه أسئلة تتطلب إجراء تحقيقات ميدانية على الأرض.
ما هو أكثر من قيمة الذهب
تتجاوز أهمية هذه المجموعة قيمتها المعدنية بكثير.
ففي تقييم متخصص نُشر على صفحة الباحث، ربطت الدكتورة ليلى عقيل، وهي خبيرة آثار متخصصة في الحلي والمجوهرات اليمنية القديمة، بين زخرفة المقبض وصنعته ونماذج معروفة من اليمن القديم.
وزودت التقييم بتحديد دقيق للتخريم السلكي الدقيق، وزخارف العقد، والترصيعات المربعة الغائرة التي ربما كانت تحمل مواد دائرية وزخرفية في الماضي، مقارنةً المقبض بنموذجين منشورين أحدهما من منطقة "العصيبية".
ويردد تقييمها للمجوهرات السمات المحلية في أسلوب الحبيبات (التحبيب) والتصنيع السلكي والزخرفة لبعض الأقراط. كما أشارت إلى صيغة الحماية التعويذية "ود أب" (Wadd Ab)، وقارنت الألواح والأقراط بنماذج محفوظة في متحفي عدن وصنعاء وأخرى تم التنقيب عنها في مواقع يمنية.
من شأن هذه الخصائص أن تسلط الضوء على الحرفية، الذوق، المعتقدات، والتبادل الثقافي. غير أن إزالة القطعة من بيئتها وموقعها الأصلي يفصلها عن أدلة أخرى: القبر أو المبنى الذي كانت تحتويه، والقطع التي عُثر عليها بجانبها، الطبقة الأثرية التي تساعد في تحديد تاريخها.
وتتضمن الرسمة المنشورة لمقبض الخنجر صورة مُعلمة بأنها الأصلية وأخرى كمُعالجة فوتوغرافياً.
ومن ثم، لا يمكن التعامل مع التفاصيل التي أصبحت أكثر وضوحاً في النسخة المعالجة كدليل مستقل على حالة القطعة أو كبديل للفحص المباشر.
وفي تعليق منشور حول هذه المجموعة، دعا أستاذ التاريخ الدكتور عارف أحمد المخلافي إلى فتح تحقيق رسمي في عمليات النهب. وحذر من التعامل مع الآثار كقضية يمكن تأجيلها، مشدداً على أنها أدلة تاريخية لا يمكن تعويضها.
عرش في فرنسا... وسؤال معلق حول مصدر الملكية
في "متحف شامبليون" بمدينة فيجاك الفرنسية، يُصنف مجسم من الحجر الجيري رسمياً على أنه مقعد من جنوب الجزيرة العربية من اليمن، يعود تاريخه إلى القرن السابع قبل الميلاد، ومسجل تحت رقم السجل (05.08.1).
وتتضمن نقوشه أسماء آلهة وإشارة إلى أحد حكام سبأ.
ويربط منشور للباحث محسن هذه القطعة بوادي رغوان في مأرب وبالعرش الذي تناوله فرانسوا برون (François Bron) في دراسته عام 2013 لستة نقوش أثرية.
وتصف الخلاصة الأكاديمية للدراسة تلك النقوش بأنها ناتجة عن نهب المواقع الأثرية في اليمن.
ودعت هذه الإشارة إلى فحص ومراجعة دقيقة لتدقيق التحديد المقترح وتاريخ ملكية القطعة، إلا أنها لا تُحدد بمفردها متى غادرت القطعة اليمن أو مسؤولية حائزها الحالي.
السؤال لا يتعلق فقط بمدى أصالة العرش، بل بالوثائق التي تربط موقعه الأصلي بحيازته الحالية: متى تُم اقتناؤه؟ ومِن مَن؟ وما المعروف عن ملكيته السابقة؟ وهل توجد وثيقة تصدير رسمية؟
قد يتيح القانون الفرنسي مساراً للفحص والاسترداد إذا تحققت شروطه. فالمادة (L124-1) من قانون التراث الفرنسي، النافذة بصيغتها المعدلة منذ مايو 2026، تسمح للهيئات العامة بالمطالبة بإلغاء استحواذها على ممتلك ثقافي عندما تثبت الأدلة أنه سُرق أو جرى تصديره بشكل غير قانوني بعد 23 أبريل 1972.
وتطبيق هذا النص على العرش يستلزم إثبات الوقائع التواريخ ذات الصلة — وليس مجرد وجوده في متحف فرنسي.
في جنيف: المصادرة لا تنهي القضية
تُظهر قضية تمثالين مسجلين برقم (ST.FIG.047) و(ST.FIG.048) أن تحديد موقع الأثر وتأمينه لا يؤدي تلقائياً إلى استرداده.
ويسرد حكم صادر في 20 يونيو 2025 عن غرفة الاستئناف الجنائية في جنيف محاولة لإخراج تمثال أنثوي من المنطقة الجمركية الحرة في عام 2022 لعرّضه على مشترٍ محتمل.
وأثار تقييم لاحق أجراه خبراء شكوكاً حول مصدر الملكية.
وألغت الغرفة قراراً سابقاً بإغلاق القضية ورفع الحجز، مقتضية إعادتها لاستكمال الإجراءات القانونية.
وتذكر السجلات المنشورة وجود طعن أمام المحكمة الفيدرالية العليا قُدم في يوليو 2025.
ولم يجد هذا المراجعة أي قرار منشور لاحق يبت بشكل نهائي في مصير هذين التمثالين.
ويسلط استعراض محسن الضوء على غياب أي تمثيل قانوني يمني أو تقديم استشارات من خبراء يمنيين في الأحكام التي فحصها. وهو ملاحظة تستدعي توضيحاً رسمياً، لكنها لا تستبعد وجود تحركات غير معلنة.
وتؤكد هذه القضية أهمية كلٍ من أدلة الخبراء المتخصصين والمتابعة القانونية المستمرة: إذ يوفر ضبط القطعة المتنازع عليها حماية مؤقتة، ولكنه لا يغني عن تقديم دعوى مدعومة بالوثائق والمستندات للمطالبة بإعادتها.
سوقٌ أوسع من كتالوجات المزادات
لا تقتصر تجارة الآثار على المزادات العلنية؛ إذ تتيح المبيعات الخاصة نقل ملكية القطع بعيداً عن صالات المزادات، وفي بعض الأحيان بتفاصيل أقل إتاحة للجمهور.
إحدى الحالات الناشئة في المنشورات تتعلق برأس بورتريه مصنوع من الألباستر (المرمر) يُقال إنه عُرض عبر قسم المبيعات الخاصة في دار "كريستيز" (Christie's) بعد ظهور سابق له في دار "سوثبيز" (Sotheby's).
ووفقاً لمعلومات مصدر الملكية المعاد نشرها، كانت القطعة تعود لمجموعة "أنطونين الكريستيان بيس" (Antonin and Christiane Besse)، وتم اقتناؤها في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي وتسجيلها للتصدير في عدن عام 1967.
يختلف هذا الوضع عن قطعة لا تحمل أي تاريخ مٌعلن لاقتنائها؛ فهو يقدم معلومات محددة يجب فحص وثائقها الداعمة؛ كما أن وجودها في الخارج لا يُعدّ بمفرده دليلاً على صفقة غير قانونية.
ومع ذلك، توضح هذه الحالة حدود الاقتصار على مراقبة المزادات العلنية فقط.
فدار "كريستيز" تقدم علناً خدمة البيع والشراء خارج صالات المزادات. والمبيعات الخاصة لا تُعتبر دليلاً على التهريب، لكنها قد تجعل تتبع التغيرات في الملكية أكثر صعوبة على الباحثين الخارجيين.
وبالمثل، فإن التصنيفات من قبيل "جنوب الجزيرة العربية" (South Arabian) أو "غرب آسيا" (Western Asiatic) لا تقدم إجابات عن المنشأ الدقيق للقطعة.
وتعبير "جنوب الجزيرة العربية" هو مصطلح أكاديمي مستقر ولا يدل بمفرده على محاولة لإخفاء الهوية اليمنية للقطعة. غير أن التصنيف الفضفاض لا يمكن أن يكون بديلاً عن تحديد الموقع الأصلي وتاريخ التصدير متى ما كانت تلك المعلومات معروفة.
من الجوف إلى الأسواق الخارجية: السياق الداخلي
في يوليو 2026، أفادت "شيبا إنتليجنس" بنقل معلومات عن مصدر قبلي في الجوف تتعلق بنحو 80 قطعة أثرية، تشمل نقوشاً وتماثيل برونزية، يُشتبه في إعدادها للتهريب عبر مناطق قريبة من الحدود اليمنية السعودية.
وقال المصدر إن شبكة استخدمت مهاجرين أفارقة لنقل القطع وإخفائها، وزعم أن بعض المتورطين لهم صلات بقيادات في جماعات مسلحة، بما في ذلك الحوثيين.
وتبقى هذه المزاعم منسوبة للمصدر، ولا توجد أدلة تربط تلك القطع بالحالات الأخرى التي تناولها هذا التحقيق.
ومع ذلك، تشير هذه التقارير إلى أولوية مشتركة: مواجهة هذه التجارة قبل عبور القطع للحدود، من خلال التحقيق في الحيازة والتخزين والمبيعات المحلية — وليس فقط عندما تظهر صور جديدة في كتالوج مزاد خارجي.
الاسترداد ممكن... ولكنه يحتاج إلى أدلة
تُظهر قضايا الاسترداد في الولايات المتحدة أن مرور العقود لا يسقط بالضرورة الحق في المطالبة. ففي أبريل 2023، أعلنت السلطات في مانهاتن عن إعادة ثلاث قطع أثرية إلى الشعب اليمني.
وشمل ذلك مجسم كبش من الألباستر قالت السلطات إنه نُهب من مقبرة "حيد بن عقيل" في شبوة خلال الحرب الأهلية عام 1994، وبِيع في لندن ثم ضبطته السلطات في نيويورك عام 2023.
وكان من المقرر أن تبقى تلك القطع مؤقتاً في "مؤسسة سميثسونيان" إلى أن تتوفر الظروف الآمنة لإعادتها مادياً إلى اليمن. وتُميز هذه القضية بين استرداد الملكية وبين الإعادة الفعلية إلى البلد نفسه. كما تُظهر أن التاريخ الطويل للقطعة ضمن مجموعة خاصة لا يمحو فعل النهب متى ما أمكن للإثباتات والأدلة تأكيده.
تضع المعلومات والصور المتاحة مهمتين متوازيتين أمام السلطات اليمنية: التحقيق في القطع التي يُقال إنها تتداول داخل البلاد والتي ما يزال من الممكن منع خروجها، ومتابعة القطع الموجودة في الخارج من خلال مطالبات محددة مدعومة بالسجلات والخبرات القانونية.
تكمن أهمية الصور الفوتوغرافية في أنها قد تحفظ الخصائص التعريفية التي تسمح بالتعرف على القطع إذا ظهرت لاحقاً تحت أوصاف مختلفة أو سجلات ملكية جديدة.
لكن التسجيل الفوتوغرافي لا ينبغي أن يغدو البديل الأخير للحماية؛ فكل قطعة تُنقذ من النهب تحتفظ بشيء لا تستطيع المزادات تقييمه بثمن، ولا تستطيع المحاكم إعادته متى ما فُقد: وهو مكانتها في تاريخ اليمن.
التصنيف :
تقارير