ضجت منصات التواصل الاجتماعي وبعض الأوساط السياسية والإعلامية عقب اللقاء المفتوح لرئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي مع وسائل الإعلام المحلية؛ فسارع طرف إلى القول إن اللقاء «لم يحمل جديداً»، بينما بالغ طرف آخر في الاحتفاء به. وفي تقديري، أخطأ الطرفان في تحديد معيار الحكم؛ فالجديد في مثل هذه اللقاءات لا يُقاس بما يُقال للمرة الأولى فحسب، وإنما بما يكشفه المسؤول ويوضحه ويحسمه من التباسات، وبالرسالة السياسية التي يختار توجيهها في هذا التوقيت.
ومن هذه الزاوية، بدا اللقاء أقرب إلى مكاشفة سياسية مباشرة منه إلى خطاب رسمي تقليدي. جلس الرئيس أمام إعلام الدولة معلناً استعداده للإجابة بشفافية، وواجه أسئلة عن الحرب والجيش والاقتصاد والفساد والتهريب والموقف الدولي والإصلاحات والقضية الجنوبية وعودة القيادة إلى أرض الوطن.
وهذه في حد ذاتها خطوة مختلفة وجديدة في بيئة سياسية اعتاد فيها المسؤول اليمني أن يملي خطابه أكثر مما يُتاح له أن يواجه أسئلة مباشرة حول أداء الدولة وقراراتها. والأهم أنه ظهر في كثير من إجاباته مستحضراً تفاصيل الملفات ومترابطاً في تفسيرها، بما يعكس إحاطة مباشرة بها، ويقدم صورة لرئيس يتعامل مع نفسه بوصفه مرجعية سياسية في إدارة الملفات، لا مجرد ناقل لتقارير الأجهزة والمؤسسات.
لكن السؤال الأهم الذي طرحه اللقاء، في تقديري، لم يكن: ماذا فعلت السلطة؟ وإنما: ماذا تغير فعلاً؟
هنا قدم الرئيس رواية متكاملة عن دولة كانت عند تشكيل مجلس القيادة منهكة اقتصادياً وعسكرياً ومؤسسياً، وعن بيئة دولية كانت تتعامل مع اليمن أساساً بوصفها أزمة إنسانية ونزاعاً سياسياً يمكن احتواء الحوثيين داخله.
أما اليوم، كما شرح الرئيس، فقد تغيرت زاوية النظر الدولية من سؤال «كيف نستوعب الحوثي؟» إلى سؤال «كيف نحمي الدولة اليمنية والممرات المائية؟». وإذا صح هذا التوصيف، فإنه يمثل تحولاً مهماً في البيئة التي تتحرك فيها الشرعية؛ فالمعركة لم تعد تُعرض للعالم باعتبارها خلافاً يمنياً داخلياً فحسب، بل باعتبارها دفاعاً عن الدولة وأمن الإقليم والممرات الدولية.
وهنا تبرز إحدى أهم دلالات اللقاء: أن الدولة تحاول الانتقال من مرحلة الدفاع عن وجودها إلى مرحلة استعادة وظيفتها. فقد أعاد الرئيس تعريف وظيفة مجلس القيادة باعتبارها إدارة المرحلة الانتقالية، بما تتضمنه من توحيد المكونات السياسية والعسكرية، وإسقاط الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة.
وأكد أن القرار السياسي والأمني والعسكري قد جرى توحيده، وأن القوات المسلحة أصبحت تحت قيادة واحدة وغرفة عمليات مشتركة. وهذه ليست مجرد معلومات عسكرية؛ بل رسالة سياسية مفادها أن المرحلة المقبلة يجب أن تُدار بقرار موحّد، وأن مواجهة الحوثيين لا يمكن أن تستند إلى جزر متفرقة من القوى والنفوذ، بل إلى قيادة دولة واحدة.
ولم يحصر الرئيس استعادة الدولة في المجال العسكري. فقد تحدث عن القضاء والنيابة والأجهزة الأمنية باعتبارها مداخل لإعادة بناء المؤسسات، ثم انتقل إلى الاقتصاد وتنظيم الاستيراد والعملة الصعبة والمناقصات والمؤسسات الإيرادية والموارد النفطية.
وفي هذا الجانب قدم مؤشرات أكثر تحديداً؛ فتحدث عن زيادة كبيرة في الموارد، وقال إن بعض الموارد حققت زيادة وصلت إلى 100% في يوليو مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. كما بشّر بأن الدولة قد تكون، مع نهاية العام، قادرة على دفع مرتبات الموظفين اعتماداً على مواردها الداخلية، من دون الحاجة إلى مساعدة الأشقاء في المملكة لدعم الموازنة.
وهذه نقطة تستحق الانتباه؛ لأن استعادة الدولة لا تعني امتلاك السلاح فقط، وإنما امتلاك القدرة على إدارة مواردها والوفاء بالتزاماتها. وعندما تصبح الإيرادات والمؤسسات والخدمة العامة جزءاً من منظومة واحدة، تبدأ الدولة في استعادة معناها العملي، لا مجرد حضورها السياسي.
وفي السياق نفسه، اكتسب حديث الرئيس عن النفط والموارد أهمية تتجاوز الملف الاقتصادي. فقد ربط خسارة الجزء الأكبر من الموارد النفطية باستهداف المنشآت النفطية، وتحدث عن مؤشرات على عودة الشركات والاستثمار النفطي.
وإذا نجحت الدولة في استعادة قدرتها على إدارة مواردها، فإن المسألة لا تتعلق فقط بإيرادات تحتاجها الخزينة، بل باستعادة جانب من السيادة الاقتصادية، وبناء علاقة أكثر توازناً بين الدولة والمناطق المنتجة للثروة والمواطن الذي ينتظر أن يرى أثرها في حياته.
أما ملف التهريب، فقد كشف عن اتساع مفهوم المعركة لدى القيادة السياسية. فالحديث عن طرق تمتد من مناطق سيطرة الحوثيين باتجاه المهرة، وعن قطع هذه الشبكات وضبط مواد مرتبطة بالتهريب والإرهاب، يعني أن الصراع لا يجري فقط على خطوط التماس، وإنما كذلك على شبكات السلاح والتمويل والمخدرات والإمداد التي تمنح الحرب قدرتها على الاستمرار.
وهذه زاوية مهمة في مخاطبة المجتمع الدولي؛ لأن استقرار اليمن لا ينفصل عن أمن الإقليم والممرات البحرية ومكافحة الشبكات العابرة للحدود.
لكن كل هذه الجبهات، بما تحمله من تحديات عسكرية وأمنية واقتصادية وسياسية، يصعب أن تحقق أهدافها كاملة ما لم تواكبها جبهة إعلامية وسردية قادرة على تقديم الرواية الصحيحة للواقع، وشرح ما يجري للرأي العام الداخلي والخارجي، ومواجهة السرديات التي تختزل معركة اليمن في صراع داخلي، أو تقدم الانقلاب باعتباره طرفاً سياسياً مساوياً للدولة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة لقاء الرئيس مع وسائل الإعلام باعتباره خطوة باتجاه تدشين هذه الجبهة. فاختيار مؤسسات الإعلام التابعة للدولة، وفتح ملفات الحرب والاقتصاد والإصلاح والتهريب والقضية الجنوبية أمام أسئلة مباشرة، لم يكن مجرد مناسبة إعلامية، بل محاولة لوضع رواية الدولة أمام جمهورها، ومخاطبة الخارج بلغة تتجاوز ردود الأفعال إلى شرح ما تقوم به مؤسساتها وما تواجهه من تحديات.
فالمعركة على الأرض تحتاج إلى قوة تحميها، والمعركة السياسية تحتاج إلى رؤية تقودها، وكلاهما يحتاج إلى سردية صادقة ومقنعة تشرح لماذا تُخاض المعركة وإلى أين تريد الدولة أن تصل.
لكن أكثر ما يستحق التوقف عنده هو حديث الرئيس عن القضية الجنوبية. فهو لم يقدمها باعتبارها قضية ينبغي تجاوزها أو دفنها، بل تحدث عن المظالم والحوار والحاجة إلى معالجة سياسية.
وهنا يظهر تقاطع لافت بين ما طرحه الرئيس وما كانت قد انتهت إليه السلسلة التي تناولت معنى الدولة وشرعيتها والقضية الجنوبية: لا يمكن بناء دولة مستقرة بتجاهل قضية سياسية عميقة، كما لا يمكن حسم مستقبل الجنوب أو شكل الدولة بالقوة. والسلسلة كانت قد انطلقت أصلاً من سؤال أوسع: كيف تحمي الدولة معناها وشرعيتها ومرجعيتها، لا كيف تفرض حضورها على الأرض فقط.
وهذا التقاطع لا يعني أن أحد الطرفين استنسخ رؤية الآخر، ولا يحتاج إلى مثل هذا الادعاء أصلاً. قيمته في أن النقاش العام يلتقي عند نقطة أساسية: أن معركة الدولة لا تنتهي بهزيمة الحوثي، وأن معالجة القضية الجنوبية لا يمكن أن تكون بتأجيلها أو فرض حل عليها بالقوة.
وإنما ينبغي إدخالها في مسار سياسي يفضي إلى توافق وضمانات وترتيبات واضحة لمستقبل الدولة. وهذا هو الفارق بين إدارة الأزمة وإنتاج تسوية سياسية قابلة للحياة.
ومن هنا يصبح الحوار الجنوبي الذي تحدث عنه الرئيس أكثر من مجرد عنوان سياسي. فإذا أريد له أن يكون مدخلاً حقيقياً، فينبغي أن يتجه إلى معالجة الأسئلة التي تتجاوز تمثيل الأطراف إلى شكل الدولة، وتوزيع السلطة والثروة، وضمانات المشاركة، وحقوق المحافظات، ومستقبل الجنوب في إطار تسوية وطنية أوسع.
فالقضية لا تحتاج إلى إنكار ولا إلى تفويض مفتوح لأي طرف، وإنما إلى حوار جاد يضع الخيارات أمام أصحابها ويترك تقرير المستقبل للوسائل السياسية والدستورية. وهذا ينسجم مع الفكرة المركزية في السلسلة: أن القضية الجنوبية ليست مجرد جغرافيا، ولا مجرد موقف يصدر من مركز سياسي، بل قضية ذات أبعاد سياسية وتاريخية وقانونية وحقوقية.
ثم جاءت الرسالة الموجهة إلى الحوثيين لتكمل الصورة: إنهاء الانقلاب وتسليم السلاح والتحول إلى حزب سياسي لمن يريد المشاركة في الحياة العامة.
وقد قرأ البعض ذلك باعتباره تنازلاً، بينما يمكن قراءته من زاوية أخرى باعتباره تحديداً لحدود التسوية: باب السياسة مفتوح، لكن لا مكان لمليشيا مسلحة فوق الدولة. أن تتحول القوة إلى حزب، وأن يصبح التنافس عبر السياسة والانتخابات والمؤسسات، هو في جوهره الشرط الذي يجعل السلام قابلاً للاستمرار، لا مجرد هدنة مؤقتة بين قوى مسلحة.
لهذا كله، فإن السؤال الصحيح ليس: هل قال الرئيس شيئاً لم يسمعه اليمنيون من قبل؟ بل: ماذا كشف اللقاء من تغير في طريقة النظر إلى الدولة والحرب والسلام؟
في تقديري، هنا يكمن الجديد. فاللقاء لم يكن مجرد ظهور إعلامي، وإنما محاولة لإعادة تعريف موقع الدولة في هذه المرحلة: دولة تسعى إلى توحيد قرارها، وإعادة بناء مؤسساتها، واستعادة قدرتها على إدارة مواردها، ومواجهة الفساد والتهريب، ومخاطبة الخارج من موقع مختلف، والتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفاً سياسياً يحتاج إلى معالجة لا إلى إنكار، ووضع حد لفكرة أن السلاح يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن الدولة.
لكن المكاشفة تظل وعداً حتى تثبتها النتائج. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء اللقاء: هل تتحول هذه الرؤية إلى مؤسسات تعمل؟ وهل تتحول مكافحة الفساد إلى محاسبة فعلية؟ وهل يرى المواطن أثر الإصلاح في راتبه وخدمته وأمنه؟ وهل يتحول توحيد القرار السياسي والعسكري إلى ممارسة مستدامة؟ وهل يفتح الحديث عن القضية الجنوبية طريقاً إلى تسوية سياسية حقيقية بدلاً من إدارة جديدة للخلاف؟
عندها فقط يمكن الحكم على اللقاء. أما اختزاله في سؤال «هل قال جديداً؟» فهو تجاهل لما قد يكون أهم من الجديد في الكلام نفسه: أن الخطاب الرسمي بدأ، ولو في حدود ما قيل، يقترب من أسئلة سبقت طرحها في المجال العام؛ أسئلة الدولة ومرجعيتها ووظيفتها وحدود القوة، وموقع القضية الجنوبية في مشروع التسوية، وشكل اليوم التالي للحرب.
وعليه، فإن القول إن اللقاء «بلا جديد» يتجاهل أن الجديد لم يكن بالضرورة في معلومة قيلت للمرة الأولى، وإنما في الصورة التي قدمها الرئيس عن الدولة ووظيفتها، وفي الملفات التي وضعها أمام الرأي العام، وفي الأسئلة التي فتحها بشأن الحرب والاقتصاد والقضية الجنوبية واليوم التالي. ويبقى الاختبار الحقيقي لما قيل هو أن يتحول من خطاب ومكاشفة إلى ممارسة ونتائج؛ فعندها فقط يصبح هذا اللقاء نقطة تحول، لا مجرد لحظة إعلامية عابرة.
التصنيف :
كتابات واراء