استعادة الدولة تحتاج إلى وحدة القرار... لا إلى تنازع الصلاحيات ​د. علي العسلي



​"الوضع بحاجة إلى ديكٍ يزغي، وليس إلى ثمانية ديوك."

​تعود هذه العبارة السياسية الساخرة إلى الواجهة اليوم، وهي التي نقلها الإعلامي جابر محمد، مدير مكتب عضو مجلس القيادة الرئاسي الشيخ عبد الرحمن المحرمي، عن عضو المجلس ومحافظ حضرموت الأستاذ سالم الخنبشي، في تغريدة نشرها ثم حذفها لاحقًا بعد أن أثارت تفاعلًا واسعًا، مخلفةً وراءها الكثير من التساؤلات حول توقيتها ودلالاتها. 

​وقد أوضح جابر محمد في سياق نقله لهذه العبارة أنه عندما سمع هذا التعبير لأول مرة لم يستسغه، قبل أن يدرك لاحقًا أن جوهر الفكرة لم يكن في التشبيه ذاته، وإنما في مغزاه العميق؛ فالقضية بحسب فهمه لا تتعلق بعدد الأشخاص، بل بتعدد مراكز القرار، والحاجة الماسة إلى قيادة واضحة وقرار سيادي قادر على الحسم.

​وهنا تكمن أهمية العبارة؛ فالقضية ليست في عدد القادة والشركاء، ولا في طبيعة الصيغة السياسية التي فرضتها ظروف المرحلة، وإنما في قدرة هذا التوافق على العمل وفق قواعده المؤسسية، واحترام الاختصاصات، وتحويل التفاهمات إلى قرارات نافذة، والقرارات إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع.

*​معضلة تعدد الرؤوس*

​في المراحل الوطنية الاستثنائية، لا تكون المشكلة دائمًا في غياب القيادات، بل في تعدد مراكز التأثير عندما تتحول الشراكة من وسيلة لتوحيد الجهود إلى حالة من التنافس وتعطيل القرار. فوفرة الأصوات داخل هرم السلطة لا تعني بالضرورة قوة الدولة، بل قد تؤدي إلى تشوش البوصلة، وضياع المسؤولية، وتأخر الإنجاز.

​وهذا هو جوهر الإشكالية التي يعكسها المشهد اليمني اليوم؛ فالمطلوب ليس فتح نقاش جديد حول شرعية قائمة اعترف بها المجتمع الدولي والإقليمي، ولا الدخول في مرحلة انتقالية جديدة تزيد المشهد تعقيدًا، وإنما المطلوب هو تفعيل هذه الشرعية، واحترام الإطار الذي أنشأها، وتمكينها من أداء وظيفتها في استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب وصولًا إلى مرحلة يختار فيها الشعب قيادته عبر انتخابات حرة ونزيهة.

​ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى شرعية جديدة؟ بل: كيف نجعل الشرعية القائمة أكثر قدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه؟

*المرجعية القانونية وحسم الخلافات*

​لقد وضع إعلان نقل السلطة إطارًا واضحًا لطبيعة عمل مجلس القيادة الرئاسي وآليات اتخاذ القرار داخله. فلم يجعل الإعلان الشراكة حالة مفتوحة بلا ضوابط، وإنما ربطها بمبدأ المسؤولية الجماعية، والتوافق، وحدد في الوقت ذاته آليات الحسم عند تعذر التوافق.

​فالمادة الأولى من إعلان نقل السلطة حددت بدقة طبيعة المجلس واختصاصاته وآلية عمله، مؤكدة أن الرئيس والأعضاء يعملون بموجب مبدأ المسؤولية الجماعية والسعي لتحقيق أعلى درجة من التوافق. كما رسمت الفقرة (ك) من المادة ذاتها، والخاصة بآليات اتخاذ القرار، مساراً واضحاً ينص على أن الأصل هو التوافق، وفي حال تعذره، يتم اللجوء إلى التصويت وفق إجراءات محددة ومكتوبة بالكامل، وصولاً إلى حسم القرار وإنفاذه وفق الآلية المنظمة التي لا تدع مجالاً للمماطلة أو التعطيل.

​كما نص الإعلان في مادته المتعلقة بالحكومة على استمرار الحكومة المشكلة بموجب اتفاق الرياض، مع منح مجلس القيادة الرئاسي الصلاحيات اللازمة لإجراء التعديلات أو التغييرات التي يراها مناسبة.

​وهذا يعني أن الإشكالية ليست في غياب القواعد، وإنما في الالتزام بها وتطبيقها. فحين تكون هناك وثيقة أنشأت الإطار، وحددت الصلاحيات، ونظمت آليات التصويت والحسم، فإن توسيع الخلافات خارج هذه القواعد لا يخدم إلا إضعاف المؤسسة نفسها. إن احترام الوثائق المنظمة للعمل السياسي ليس ترفًا قانونيًا، بل هو جوهر بناء الدولة؛ فالدول لا تستقر بكثرة التوافقات غير الملزمة، وإنما بقواعد واضحة يعرف الجميع حدودها ويلتزمون بها.

*​نرجسية الأصوات المتضاربة*

​ولعل أبلغ تعقيب على هذه الفكرة التي دندنّا حولها، هو ما اختصره الأستاذ هاني علي سالم البيض بقوله: «المشكلة ليست في عدد الديوك، بل في أن كل ديك يظن أن الفجر لا يطلع إلا بصوته».

​وهي عبارة بليغة تلخص الأزمة في عمقها؛ إذ تتجاوز الأشخاص لتكشف عن معضلة إدارية وسياسية حقيقية. فحين يعتقد كل طرف أن رؤيته وصوته هما المسار الوحيد للخلاص، تتحول الشراكة إلى تنازع، ويتحول الاختلاف الطبيعي إلى تعطيل مستمر، بينما يبقى المواطن المطحون والدولة النازفة هما من يدفعان الثمن باهظاً من قوتهما واستقرارهما.

​إن اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصراعات داخل مؤسسات الشرعية، بل يحتاج إلى قيادة تعمل بروح الفريق الواحد، وتحتكم إلى المرجعيات، وتحسم وفق القواعد، وتضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة وتخفيف معاناة المواطنين فوق كل اعتبار. فالقيادة ليست بكثرة المناصب، ولا بعدد الأصوات، وإنما بقدرة المؤسسات على إنتاج قرار واضح، وتحمل مسؤولية تنفيذه.

​وفي النهاية، فإن استعادة الدولة لا تبدأ بإعادة تشكيل الشرعية، وإنما تبدأ بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة: قواعد واضحة، واختصاصات محددة، وقرار يلتزم به الجميع.

​فالبلاد لا تحتاج إلى من يعلن قدوم الفجر، بل إلى من يصنعه.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال