9 سبتمبر.. يوم الخذلان الكبير وسقوط الأقنعة. بشير سيف محمد السامعي



لم تكن صدمة التاسع من سبتمبر مجرد حدث عابر يمكن تجاوزه بكلمات قليلة، ولا مجرد تطور عسكري يضاف إلى سجل الأيام الصعبة التي عاشتها البلاد.

كانت صدمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

صدمة لمن عرفوا رجال المقاومة الوطنية، وصدمة لمن تابعوا مسيرة الفريق أول ركن طارق محمد عبدالله صالح، وصدمة أكبر لمن آمنوا أن الثقة بين الرجال تبنى على الوفاء والمواقف، لا على المصالح والابتسامات العابرة.

 *وفي خضم هذه الصدمة، ظهر السؤال الأكثر غرابة:* 

كيف يتحول الرجل الذي كان مستهدفا بالخذلان إلى متهم بالخيانة؟

وكيف يمكن لمن كان حاضرا بين رجاله، يؤدي مسؤولياته، ويتابع قواته، ويقف إلى جانب جرحاه حتى اللحظات الأخيرة، أن يُقدّم فجأة للرأي العام باعتباره خائنًا؟

 *هنا تحديدًا يجب أن نتوقف.* 
ليس دفاعًا عن شخص فحسب، وإنما دفاعًا عن منطق الحقيقة.

 *الخيانة تهمة.. وليست رواية* 

 *الخيانة ليست وصفا يمنح لمن نختلف معه، وليست رواية تصنع في الغرف المغلقة ثم تُدفع إلى الإعلام ومواقع التواصل.* 

الخيانة جريمة معنوية وسياسية وعسكرية بالغة الخطورة، ولذلك لا يمكن إثباتها إلا بالوقائع والأدلة.

أما أن يقع حدث كبير، ثم تقلب الأدوار، ويصبح من تعرض للخذلان هو المتهم، فذلك يستوجب التوقف والتساؤل:

من المستفيد من قلب الحقيقة؟

ومن المستفيد من تشويه صورة طارق صالح؟

ومن المستفيد من تحويل الأنظار عن حقيقة ما جرى يوم 9 سبتمبر؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن تخيف أحدا.

بل إن من يملك الحقيقة عليه أن يطالب بكشفها كاملة.

 *طارق صالح.. رجل البناء في زمن الهدم* 

بعيدا عن المواقف السياسية، وبعيدا عن الحسابات والاصطفافات، هناك حقيقة لا يستطيع أحد إلغاءها بسهولة:

الرجل الذي بنى وعمر وخدم رجاله ومجتمعه، لا يمكن أن تمحى سنوات عمله بتهمة تطلق بلا دليل.

لقد اختار طارق صالح، في واحدة من أكثر مراحل اليمن تعقيدا، طريق بناء القوة وتنظيمها، والعمل على تثبيت حضور مؤسسي وخدمي في المناطق التي تقع ضمن نطاق مسؤوليته.

وفي الوقت الذي كان فيه البعض يكتفي بالكلام، كان هناك من يعمل على الأرض.

وفي الوقت الذي كانت فيه البلاد تتآكل، كان الرجل يحاول أن يبني شيئا يمكن أن يبقى.

 *وهنا يصبح السؤال مشروعًا:* 

هل من يبني ويعمر ويقف مع الناس حتى آخر لحظة، هو نفسه من يقرر خيانة كل ما بناه؟

 *القائد الذي لم يغادر رجال* 
ربما تكون أقوى شهادة على الإنسان هي لحظاته الأخيرة قبل العاصفة.

وحتى تلك اللحظات، كان طارق صالح حاضرا في المشهد، يؤدي مهامه، ويتابع رجاله، ويزور الجرحى، ويقف إلى جانب من دفعوا ثمن المعركة من أجسادهم.

 *هذه التفاصيل ليست هامشية.* 

فالقيادة الحقيقية لا تظهر عندما تكون الظروف سهلة، وإنما تظهر عندما تشتد المحن.

والقائد الذي يترك مكتبه ويتجه إلى جرحاه، ويستمع إلى آلام مقاتليه، ويشعر بمسؤولية تجاه رجاله، لا يمكن اختزال شخصيته في منشور أو اتهام أو رواية مجهولة المصدر.
 *الأفعال أطول عمرا من الاتهامات.* 

 *الثقة التي تحولت إلى نقطة ضعف* 

من عرف طارق صالح يعرف جانبا إنسانيا في شخصيته ربما لا يظهر كثيرا في الخطاب السياسي والعسكري.

 *إنها الثقة بالآخرين وحسن الظن بهم.* 

كان يتعامل مع من حوله باعتقاد أن الشخص الذي يبتسم في وجهه صادقا، وأن من يقف بجانبه يحمل النية نفسها، وأن من يقول كلاما عن الوفاء يعنيه فعلا.

 *لكن الحياة تعلمنا أن الوجوه ليست دائمًا مرآة للقلوب.* 

قد يبتسم لك شخص، بينما يخفي خلف ابتسامته حسابات أخرى.

وقد يتحدث عن الوفاء، بينما ينتظر اللحظة التي ينقلب فيها عليك.

وهنا لا تكون المشكلة في صدق الرجل الذي وثق، وإنما فيمن خان تلك الثقة.

 *إذا كان هناك خذلان.. فليُكشف* 

لن نسمّي أشخاصا، ولن نوجه اتهامات جزافية.

 *لكننا نطالب بالحقيقة.* 

إذا كان ما حدث يوم 9 سبتمبر نتيجة ترتيبات أو خذلان أو تآمر، فمن حق الناس أن يعرفوا الحقيقة.

ومن حق المقاتلين الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع صادم أن يعرفوا:

ماذا حدث؟

كيف حدث؟

من اتخذ القرارات؟

ومن كان يعلم؟

ومن استفاد؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من صناعة رواية جاهزة وتحميل قائد واحد كل شيء.

فالعدالة لا تبدأ بتحديد المتهم ثم البحث عن الأدلة التي تدينه.

العدالة تبدأ بالبحث عن الحقيقة، ثم تحديد المسؤولية بناءً عليها.

 *لا تجعلوا من الخذلان خيانة* 

هناك فارق هائل بين أن يخون الإنسان، وبين أن يتعرض للخيانة.

وبين أن يتآمر، وبين أن يكون ضحية لتآمر.

وبين أن يتخلى عن رجاله، وبين أن يجد نفسه في لحظة ما أمام من تخلى عنه.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد صدمة 9 سبتمبر هو قلب الحقائق.

أن يصبح من يفترض أن يجيب عن الأسئلة هو من يطرحها.

وأن يصبح من يحتاج إلى التبرئة هو من يطالب بالكشف.

وأن تتحول الضحية إلى متهم.

هذه ليست حقيقة، وإنما رواية تحتاج إلى دليل.

 *ستسقط الأقنعة* 

قد تستطيع الحملات الإعلامية أن تصنع ضجيجا.

وقد تستطيع الشائعات أن تربك الناس لبعض الوقت.

لكنها لا تستطيع أن تغير التاريخ.

والتاريخ لا يقرأ المنشورات فقط؛ بل يقرأ المواقف، والقرارات، والنتائج، وشهادات الرجال الذين عاشوا الأحداث.

ولهذا فإنني لا أكتب اليوم لأقول إن طارق صالح فوق النقد.

لا أحد فوق النقد.

لكنني أقول شيئًا أبسط وأكثر عدلًا:

لا تجعلوا الاتهام دليلا، ولا تجعلوا الشائعة حقيقة، ولا تجعلوا الخذلان خيانة.

 *من لديه دليل فليقدمه.* 

ومن لديه رواية فليثبتها.

أما إطلاق الأحكام على رجل بحجم المسؤولية التي يحملها، دون أدلة واضحة، فهو ظلم للحقيقة قبل أن يكون ظلما للرجل.

 *إلى طارق صالح* 

أيها القائد..

قد تكون هذه واحدة من أقسى اللحظات التي مررت بها.

وقد يكون الألم مضاعفًا عندما يأتي الخذلان من حيث لم تتوقعه.

لكن تذكر أن الرجال لا تعرف حقيقتهم في أيام الانتصار، وإنما في أيام الانكسار.

قد يسقط حولك الكثيرون، لكن سقوط الآخرين لا يعني سقوطك.

وقد تتغير المواقف، لكن التاريخ لا يتغير.

وقد يعلو صوت الاتهام اليوم، لكن صوت الحقيقة عندما يأتي سيكون أعلى.

لقد عرفتك صادقا، وفيا، مخلصا، حسن النية، تؤمن بالعمل أكثر من الكلام، وتتعامل مع الناس بثقة لأنك تفترض فيهم ما تحمله أنت في داخلك.

وربما كان حسن ظنك بالآخرين هو أكثر ما جعلك عرضة للخذلان.

لكن لا تجعل خيانة البعض تجعلك تفقد إيمانك بأن الوفاء ما زال موجودًا.

 *وفي النهاية...* 

سيأتي يوم تفتح فيه كل الملفات.

 *وسيعرف من قال الحقيقة، ومن صنع الرواية.* 

سيعرف من ثبت عندما اضطربت المواقف، ومن غادر عندما احتاجت البلاد إلى الرجال.

سيعرف من بنى، ومن هدم.

ومن وقف مع الجرحى، ومن تركهم.

ومن بقي إلى جانب رجاله، ومن بحث عن مخرج لنفسه.

وسيعرف قبل كل ذلك:

من خان.. ومن خُذل.

أما 9 سبتمبر، فلن يكون نهاية الحكاية.

قد يكون، على العكس، اليوم الذي بدأت فيه الأقنعة بالسقوط، وبدأت معه الحقيقة في البحث عن طريقها إلى النور.

 والحقيقة مهما تأخرت، لا تموت
لأن الرجال قد يظلمون في حاضرهم، لكن التاريخ لا يظلم إلى الأبد.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال