لا تخونوا طارقًا.. ولا تخذلوا أبطال الساحل.أحمد حوذان



كيف يستطيع البعض أن يخون طارق صالح بكل هذه السهولة؟ وكيف يمكن أن تُمحى من الذاكرة سنوات من التضحيات والبناء والمواقف، وكأن شيئًا لم يكن؟

طارق الذي أسس وبنى، واحتضن المقاتلين وأسرهم، ووقف إلى جانب أمهات وآباء المجاهدين، وبنى الشقق لأسر الشهداء، وعمل على تحويل مناطق الساحل الغربي إلى مساحة للحياة والاستقرار والبناء، لا يستحق أن يُقابل اليوم بمنطق الشماتة والتشفي.

تذكروا هؤلاء الذين قاتلوا في الميدان، وتركوا منازلهم وأعمالهم وكل ما يملكون، ثم استقروا في الخوخة والمخا وحيس، وتقدموا في خطوط النار، وقدموا من أرواحهم شهداء، ومن أجسادهم جرحى ومعاقين، وعشقوا تراب هذه المناطق بعدما أصبحت جزءًا من حياتهم.

تذكروا أسرًا دفعت أثمانًا باهظة، وأمهات وآباء عاشوا على انتظار أبنائهم، ومقاتلين لم يترددوا يومًا في الوقوف في الصفوف الأولى.

ماذا نقول لهؤلاء اليوم؟
هل نكافئ تضحياتهم بالخذلان؟ وهل يصبح المقاتل الذي دافع عن أرضه وخاض المعارك سنوات طويلة متهمًا بالخيانة لمجرد أن جبهة تعرضت للانتكاس؟
المخا ليست مجرد مدينة على الساحل؛ إنها مشروع نهضة نشأ وسط الحرب، وشاهد على أن اليمنيين قادرون على بناء الحياة حتى في أصعب الظروف. وما تحقق فيها وفي الخوخة وحيس ومناطق الساحل لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تضحيات وجهود رجال آمنوا بأن المعركة ليست بندقية فقط، وإنما أيضًا بناء للإنسان والمكان.
اليوم، قد تكون الأخبار مؤلمة، وقد تتعرض بعض الجبهات للانتكاس، وقد تتغير خطوط التماس. سقطت الوازعية، وبات ظهر الأبطال مكشوفًا أكثر، وهذه لحظة مؤلمة لكل من حمل همّ المعركة الوطنية.
لكن علينا أن نفرق بين الألم والاستسلام.
نعم، نبكي ونتألم، ونحاسب أنفسنا، ونراجع أخطاءنا، ونطالب بإعادة ترتيب الصفوف ووحدة القرار، لكن لا ولن نستسلم.
ولو سقطت المخا وحيس، ولو امتدت المعارك من حرض إلى المهرة، فلن نستسلم ولن نتراجع قيد أنملة عن هدف تحرير اليمن واستعادة صنعاء. سقوط جبهة لا يعني سقوط القضية، وانتكاسة هنا لا تعني نهاية المعركة.
لقد بدأت المقاومة في ظروف أصعب بكثير؛ حين كان الحوثي حاضرًا داخل عدن وتعز ومأرب وشبوة، وحين كانت الإمكانات أقل والخيارات أضيق. ومع ذلك استمر اليمنيون في القتال والصمود.
واليوم، بكل ما لدينا من خبرة وقوة وتشكيلات عسكرية ومقاتلين، نحن في وضع مختلف تمامًا عما كنا عليه في عام 2015. ومن يظن أن سقوط موقع أو جبهة سيجعل اليمنيين يرفعون الراية البيضاء، فهو لا يعرف طبيعة هذه المعركة ولا يعرف الرجال الذين خاضوها.
الأبطال في الميادين يؤدون واجبهم، بينما المفلسون يوزعون صكوك الوطنية وتهم الخيانة بحسب مزاجهم.
من السهل أن تجلس بعيدًا عن الخنادق وتكتب منشورًا تتهم فيه هذا بالخيانة وذاك بالتقصير، لكن الصعب أن تقف في الميدان، وأن تحمل سلاحك، وأن تترك أهلك، وأن تعرف أن الطريق قد يكلفك حياتك.
ولهذا، فإن هذه اللحظة لا تحتاج إلى مزيد من التخوين والشماتة، بل إلى مزيد من الصبر والثبات، وإلى مراجعة الأخطاء وترتيب الصفوف وتوحيد القرار.
نختلف كما نشاء، وننتقد كما نشاء، لكن لا نخون الرجال الذين قاتلوا، ولا نخذل الأسر التي دفعت الثمن، ولا نسخر من تضحيات الأبطال.
وحسبي الله على كل من يخذل ويخون تضحيات الرجال.
أبطالنا من الجوف إلى الساحل هدفهم واحد، ودماؤهم واحدة، ومعركتهم واحدة: أن تعود اليمن إلى أهلها، وأن تستعيد الدولة قرارها، وأن ينتهي مشروع الكهنوت والانقلاب.
قد ندفع من دمائنا حتى ترتوي هذه الأرض، وقد نتألم وننكسر ونخسر مواقع، لكننا لن نستسلم.
سيهزم الحوثي ويولون الدبر، ولن يبقى على هذه الأرض إلا أهلها وأبطالها ورجالها.
أما طارق صالح، وأبطال الساحل، وكل من حمل السلاح دفاعًا عن الجمهورية، فليست هذه اللحظة وقت التخلي عنهم، بل وقت الوقوف إلى جانبهم، ومراجعة المسار، وشد الصفوف.
فالمعارك تُربح بالصبر كما تُربح بالسلاح، والأوطان لا تُستعاد بالشماتة، وإنما بالثبات.
اليمن أكبر من جبهة، وأكبر من قائد، وأكبر من خلاف. اليمن قضية وطن، ومعركتها مستمرة حتى تستعيد الدولة والجمهورية عافيتها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال