كوميديا «القرار المستقل» وأكذوبة الحصار.. من يدير آلة الحرب في صنعاء؟ سمير رشاد اليوسفي



من عجائب السياسة في منطقتنا أن تتحول الحقائق الدامغة على الأرض إلى مادة للمناورة الدبلوماسية؛ والطريف حقاً أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خرج علينا مؤخراً بابتسامة دبلوماسية عريضة ليبلغنا أن طهران حاولت التوسط بين الرياض والحوثيين، لكن المشكلة —حسبما زعم— أن «أنصار الله يتخذون قرارهم بشكل مستقل»!
وهي نكتة تذكرنا بهزليات الكوميديا السوداء؛ فاستقلالية القرار الحوثي هذه يديرها في صنعاء «مجلس جهادي أعلى» يتربع فيه جنرال من «فيلق القدس» الإيراني هو علي رمضاني —كما جلس قبله حسن إيرلو وعبد الرضا شهلائي— بمثابة «مندوب سامٍ» ورجلٍ ثانٍ بعد عبد الملك الحوثي، وإلى جواره معاون عسكري من «حزب الله» اللبناني، بينما يتولى خبراء الحرس الثوري في جبال عمران وصعدة تشغيل منصات الصواريخ الباليستية والمسيّرات لتوجيهها عمداً نحو صالات المعتمرين والمسافرين في مطار الملك خالد الدولي بالرياض!
أما دعاة «الهدن الإنسانية» الذين ينخدعون ببكائيات الحصار، فإن الأرقام الموثقة تضعهم أمام الحقيقة العارية؛ فالحركة التي تتاجر بمعاناة اليمنيين تستقبل السفن يومياً في موانئ الحديدة، وقد بلغت عائدات قطاع الوقود وحده نحو 1.34 تريليون ريال —منها 994 مليار ريال رسوم جمركية— فضلاً عن ملياري دولار سنوياً من النفط المهرّب، ونهب قطاع الاتصالات والضرائب وزكاة «الخُمس» طوعاً أو كرهاً. وبعد أن تسببت، باحتجازها طائرات الخطوط اليمنية، في تدمير مطار صنعاء رافضةً كل المبادرات البديلة، حوّلت تلك التريليونات المنهوبة من أفواه الموظفين إلى وقود لحربها وإحكام حصارها الخانق على المدنيين في تعز.
وهي المفارقة التي لخصها السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر بدقة حين وصف الذهنية الحوثية بمقولة: «إذا كان تفكيرك مطرقة فسترى كل شيء مسماراً»، متسائلاً: كيف يستقيم أي حديث عن السلام مع حصار تعز، وتعطيل المطار، وإقحام البلاد في صراعات إقليمية؟ ليؤكد في رسالة حاسمة لا تخطئها العين أن «اليمن ليس ملكاً للحوثي، وتعز لن تكون رهينة لمشروعه»، وأن المملكة «ستحمي شعبها وأمنها وأراضيها وسفنها، وستستمر داعماً وسنداً للشعب اليمني وحكومته الشرعية»؛ ما يعني بوضوح أن زمن الرهان على ترويض الفوضى المسلحة قد طُوي، وأن استعادة الدولة اليمنية ضرورة أمنية لا تقبل المساومة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال