ثلاثة أسابيع لا تكفي للحكم على مآلات حرب، لكنها تكفي لطرح السؤال عما تغير فيها. ومنذ انطلاق «فجر اليمن» في الخامس من أكتوبر، اتجه جانب من النقاش إلى موعد الوصول إلى صنعاء، بينما يسبق ذلك سؤال أكثر إلحاحًا: هل أنجزت العملية ما يهيئ للتقدم نحو أهدافها التالية؟
إعلان وزير الدفاع أن العملية تتكون من ست مراحل يشير إلى حملة متدرجة، لا إلى هجوم يُنتظر منه حسم الحرب دفعة واحدة. لكن تعدد المراحل ليس، في ذاته، معيارًا للنجاح؛ المعيار هو ما يتحقق في كل مرحلة، ومدى قدرته على تحسين شروط الانتقال إلى ما بعدها. ومن هنا تأتي أهمية التقييم المرحلي، الذي يوضح النتائج من دون كشف ما تقتضي الضرورة العسكرية إبقاءه بعيدًا عن التداول.
تأمين باب المندب والمخا أولوية تتلاقى فيها المصلحة اليمنية مع مصالح المنطقة والعالم. فاستعادة سلطة الدولة وحماية الملاحة هدفان متكاملان في هذه المنطقة. غير أن السيطرة العسكرية لا تستكمل قيمتها إلا بالقدرة على الاحتفاظ بالمواقع، وتأمين طرق الإمداد، وتفعيل الإدارة، ومنع تجدد التهديد. والمكسب الذي يُبنى عليه هو ما يمكن تثبيته، لا ما يُكتفى بإعلانه.
بهذا المعيار ينبغي قراءة التحركات الإقليمية المحيطة بالعملية. فالتزامن لا يعني بالضرورة وحدة الأسباب أو الأهداف. وليس كل اجتماع مقدمة لتوسيع الحرب، ولا كل حوار تمهيدًا لوقفها. ما يهم هو أثر هذه التحركات في ميزان القوة، وفي قدرة الحكومة اليمنية على استعادة المبادرة والاحتفاظ بها.
ويكتسب التعاون الدفاعي مع السعودية أهمية في تعزيز حماية أراضيها ومنشآتها والتصدي للهجمات الحوثية، بما يدعم أمن المنطقة ويعزز الظروف المساندة للحكومة اليمنية. ومع ذلك، تظل الترتيبات الدفاعية لحماية المملكة مختلفة في نطاقها عن المشاركة في العمليات داخل اليمن؛ فلكل منهما أهدافه وآلياته.
أما التقارب السعودي الإماراتي، فتبرز أهميته في تعزيز التنسيق بشأن أمن المنطقة واستقرار اليمن. وتظهر قيمته العملية بقدر ما يدعم جهود الحكومة اليمنية لاستعادة الدولة، ويساعد على تجاوز التباينات بين القوى المناهضة للحوثيين، بما يمنع اختلاف أولوياتها من إعاقة تقدم العملية وتثبيت مكاسبها.
ويُقرأ اجتماع طهران، الذي جمع ممثلي السعودية وتركيا وباكستان، الدول الموقعة على اتفاقية مكة للدفاع المشترك، بمسؤولين إيرانيين، ضمن الحدود نفسها. فالاتفاق على مواصلة الحوار لا يعني الاتفاق على وقف «فجر اليمن»، مثلما لا يعني قبول أهدافها. وقد تساعد التهدئة الإقليمية على تخفيف الضغوط المحيطة بالعملية، لكن أثرها في مسارها يظل مرهونًا بما ينتج من التزامات وما يترتب عليها في الميدان.
وينطبق الأمر على الحديث عن هدنة. فهو لا يثبت هزيمة الحوثيين، ولا يعني أن العملية استنفدت أغراضها. قيمة الهدنة في شروطها، وقدرتها على خفض التهديد وحماية المكاسب وفتح مسار سياسي قابل للاستمرار. أما إذا تركت أسباب المواجهة وقدرات استئنافها على حالها، فلن تتجاوز تأجيل جولة أخرى. وبالمقابل، لا يثبت استمرار القتال وحده نجاح الاستنزاف؛ إذ يجب التمييز بين كثافة العمليات وأثرها الفعلي في قدرات الخصم.
وفي تقديري، قد تكون الأيام الثلاثة المقبلة حاسمة في اتضاح اتجاه العملية، لا بمعنى حسم الحرب، بل في اختبار قدرتها على تثبيت المكاسب وتهيئة شروط الانتقال إلى مرحلة تالية. ويبقى ذلك تقديرًا ينتظر ما يسنده في الميدان، لا حكمًا مسبقًا على النتائج.
بعد ثلاثة أسابيع، يصبح السؤال: هل أصبحت شروط تحقيق أهداف العملية أفضل مما كانت عليه عند انطلاقها؟ والإجابة تُقاس بثلاثة أمور: تقدم يمكن الاحتفاظ به، وتراجع ملموس في قدرة الحوثيين على الهجوم، وتنسيق مستقر بين القوى المناهضة لهم. تلك هي المؤشرات التي تميز بين استمرار النشاط العسكري وحدوث تغير فعلي في ميزان الصراع.
#فجر_اليمن #تعز #اليمن #السعودية
التصنيف :
كتابات واراء