نداء إلى قبائل اليمن: تعز محاصرة.. فأين النكف؟، د. علي العسلي


نحن مع الدولة، دولة النظام والقانون التي تفرض هيبتها واحترامها على الجميع، لا دولة داخل الدولة، ولا نفوذ لمتنفذين باسم القبيلة أو المذهب أو المنطقة. هذا موقف لا نساوم عليه. لكن الدولة الغائبة اليوم عن مساحات واسعة من اليمن لا تُستعاد بالبيانات المرتجلة، ولا بتهديد القبائل في تجمعاتها، بل بتحرير الأرض وبناء المؤسسات وإصلاحها أولاً، وإلى جانب ذلك استنهاض ما تبقى في المجتمع من قيم حيّة، وفي مقدمتها قيم القبيلة الأصيلة التي يحاول الحوثي اختطافها أو تجييرها وتسخيرها لأجندته.

ومن هنا، فإن الخطاب الصحيح ليس خطاب التحذير الذي صدر عن وزارة الدفاع ثم سُحب باعتذار، ولا ما فعله الحوثي حين استغل ذلك التحذير اللفظي لمزيد من التحشيد. فللحرب قواعدها وأخلاقها، ولها بنك أهداف مشروعة يحدده القانون والعرف لا البيانات المرتجلة، ومن يتجاوز ذلك مرفوض هنا أو هناك. على أن تصحيح الخطأ في البيان لا ينبغي أن يُفهم تبرئةً لمن يستغل القبائل، ولا تراجعاً عن مواجهة التعبئة التي تغذي الحرب. المطلوب اليوم من وزارة الدفاع وقيادتنا السياسية تواصلٌ مباشر وخطابٌ دقيق، يتوجهان إلى القبائل نفسها، إلى مشايخها وعقلائها وأبنائها، ويضعانها أمام قيمها وتاريخها.

يا أهل النكف.. تعز محاصرة

النكف، كما ذكّرنا الدكتور ياسين سعيد نعمان، لم يكن يوماً حشداً للعدوان، بل نفيراً لنصرة المظلوم وإغاثة المستغيث وردع المعتدي. هذا ما توارثتموه عن آبائكم، وهذا ما صنع للقبيلة اليمنية احترامها عبر الأجيال.

فانظروا اليوم أين يُساق أبناؤكم. إنهم يُحشدون باسم النكف، ثم يُرسلون إلى أسوار تعز، مدينة يمنية محاصرة منذ أكثر من عشر سنوات، وقد أُحكم عليها الطوق اليوم كما لم يُحكم من قبل. جولة القصر مغلقة، والهنجر مدخلها الغربي مغلق، وشريانها إلى عدن مقطوع بعد أن فُجّرت العبارة أسفل هيجة العبد، ثم أُحكمت السيطرة على التربة ونجد قسيم والنشمة، فلم يبقَ للمدينة منفذ. الأدوية نفدت، والغاز إن وُجد بيع في السوق السوداء بأربعين ألف ريال، وأكثر من مليون إنسان باتوا تحت رحمة الحوثي ومن حشدهم من أبناء القبائل.

فهل هذا نصرة للمظلوم؟ أم هو الظلم نفسه وقد لبس ثوب القبيلة؟ فبدل أن يكون السؤال: من المظلوم ومن المعتدي؟ صار الانتماء للجماعة هو المعيار، ولو كان الثمن ظلم اليمني لأخيه.

إن تعز اليوم هي المستغيث الذي وُجد النكف لأجله. وأبناؤها ليسوا أعداءكم، بل إخوانكم وأنسابكم وشركاؤكم في الأرض والتاريخ والمصير. وما من عرف قبلي أصيل يجيز حصار الآمنين وتجويعهم وقتلهم.

وليس هذا رأي أبناء تعز وحدهم؛ فمن قلب طوق صنعاء القبلي جاءت شهادة الكاتب ووزير الثقافة الأسبق خالد الرويشان، حين أكد أنه "لا يوجد قبيلي محترم يعلن النكف على تعز"، وأن تاريخ اليمن لم يعرف قبيلة تنكّفت على مدينة أو محافظة، وأن النكف إن كان لا بد منه فمع تعز المظلومة لا عليها. ثم حذّر من حريق كراهية رآه في قلوب أبناء تعز أشد مما رآه على الأرض، حريق لن تطفئه الأيام إن لم تتوقف الحرب ويعود المحشودون إلى ديارهم.

ما الذي نطلبه من القبائل؟

لا نطلب منكم حمل السلاح ضد أحد، بل ما هو أقرب إلى أعرافكم وأقدر على التأثير:

أن تستعيدوا النكف لمعناه الحقيقي، فيكون نفيركم القادم نفيراً لنصرة تعز لا لحصارها، وضغطاً اجتماعياً وقبلياً على جماعة الحوثي لرفع الحصار وفتح الطرق.

أن تسحبوا أبناءكم من أسوار تعز وجبهاتها، فلا يُقال إن دماء القبيلة سُفكت في حصار مدينة يمنية، ولا يُسجَّل في ذاكرة الأجيال أن أبناء القبائل كانوا أداة الظالم على المظلوم.

أن ترفضوا أن تُختزل القبيلة في خزان بشري يُستنزف في حروب لا تخدمكم، يعود منها أبناؤكم صوراً على الجدران، بينما يبقى من يسوقهم في مأمن.

ولا يعني هذا الدعوة إلى نكف مسلح مضاد، أو استبدال تعبئة بتعبئة، بل إلى نكف اجتماعي وأخلاقي مسؤول، تتحرك فيه القبائل بكلمتها ومكانتها وضغطها لوقف الظلم وفتح الطرق وصون الدم اليمني.

القبيلة رافد للدولة لا بديل عنها

حين ندعو القبائل إلى النكف لفك حصار تعز، فإننا لا ندعوها إلى أن تحل محل الدولة، بل إلى أن تكون رافداً لها وسنداً لقيم العدل والقانون. ولا يعفي هذا النداء الدولة من مسؤوليتها الأولى في فك الحصار، لكن ضغط القبيلة حين يلتقي بإرادة الدولة يصنع ما لم تصنعه سنوات الانتظار. فالقبيلة التي تنتصر للمظلوم تمهّد الطريق لدولة تحمي الجميع، والقبيلة التي تُستخدم لحماية المعتدي تهدم الدولة وتهدم نفسها معها.

والحوثي يدرك ذلك جيداً؛ ولهذا يسعى إلى فصل القبيلة عن منظومتها الأخلاقية، لأنه يعلم أن القبيلة الحرة الواعية بقيمها لن تقبل أن تكون أداة بيد فرد يدّعي الحق الإلهي في حكم اليمنيين، ولا وسيلة لحصار مدينة، أو قمع شعب، أو نصرة ظالم.

كلمة أخيرة

يا مشايخ اليمن وعقلاءها: إن أبناءكم أمانة في أعناقكم، وتعز المحاصرة أمانة في ذمتكم. والتاريخ لا ينسى من نصر ومن خذل، ولا من أغاث ومن حاصر. فاجعلوا نكفكم القادم نكفاً يليق بأسمائكم وتاريخكم: نكفاً لفك حصار تعز، وسحب الأبناء من أسوارها، وإعادة الاعتبار لقيمة النصرة التي كانت وما زالت أنبل ما في القبيلة اليمنية.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال