الحوثي وفخ «ستوكهولم ثانية» سمير رشاد اليوسفي


في أكتوبر 2019، جلستُ في القاهرة إلى الراحل الكبير مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حينها. استعاد الرجل يومها ذكرياته شاباً يغطي حرب ثورة 26 سبتمبر في جبال اليمن، لكنه لم يتحدث بحنين الصحافي العتيق إلى الماضي، بل بقلق الخبير الاستراتيجي؛ إذ انتقد بمرارة «اتفاق ستوكهولم» الذي أوقف تحرير الحديدة في الأمتار الأخيرة، وحذّر بوضوح من أن إبقاء موانئ الحديدة رهينة بيد الحوثيين سيجعل الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب تحت رحمة الميليشيا، ما يمثل تفريطاً خطيراً بالأمن القومي المصري والعربي.
تذكرتُ تحذير الأستاذ مكرم وأنا أتابع الفصام السياسي الذي تمارسه الميليشيا الحوثية هذه الأيام. ففي الوقت الذي يدبج فيه ناطقها محمد عبد السلام رسالة مطولة إلى شيخ الأزهر، مرتدياً جبة الواعظ الورع الذي يتلو آيات الإصلاح ويشكو «العدوان»، توجه الجماعة نفسها رسائل تحذير استفزازية للقاهرة لمجرد إعلان تضامنها مع الرياض! إنها عقلية الميليشيا التي تبيح لنفسها استهداف المطارات والمنشآت المدنية، ثم تنكر على الدول ذات السيادة حق الدفاع عن أراضيها. والحقيقة أن هذا التناقض بين استجداء الوساطة والتلويح بالتهديد يعكس مأزقاً ميدانياً حاداً؛ فالحوثي يرمي اليوم بآخر أثقاله في هجمات انتحارية لإيهام خصومه بصلابته، بينما تتهاوى واجهاته الإقليمية بإغلاق مكاتبه في بغداد، ويلهث سراً وعلانية وراء «هدنة» تنقذه من نزيف قاتل.
المشكلة ليست في مناورات الحوثي المكشوفة، بل في الطروحات التي تمنحه طوق نجاة عبر تصوير انقلابه الميليشياوي كأنه حرب بين دولتين، والقفز فوق «الحكومة الشرعية» بوصفها المرجعية الوحيدة للدولة اليمنية؛ وهو ما يتقاطع عملياً مع رغبة إيران وأجندة «التنظيم الدولي للإخوان» في شرعنة الانقلاب وطمس عقد كامل من الجرائم الموثقة. وفي تناغم لافت مع فزع الوكيل، يخرج الأصيل الإيراني عبر وزير خارجيته عباس عراقجي بنبرة «الناصح الأمين» محذراً القاهرة من أن التدخل سيعقد الأزمة! طهران التي يحكمها متطرفون لا يعرفون كيف يبرمون اتفاقاً، ويديرون قرصنة ضد السفن التجارية لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية —كما شخصها بدقة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو— باتت فجأة تخشى على مصر من «التورط»، لأنها تدرك أن تلاقي الرياض والقاهرة يجهض مشروعها في البحر الأحمر.
غير أن عراقجي، ومعه جوقة الضجيج المفتعل في بعض الزوايا، يحاربون طواحين الهواء. فالرئيس عبد الفتاح السيسي رسم خطاً دستورياً واستراتيجياً فاصلاً بين التدخل الدفاعي والعمل الهجومي، معلناً بدقة أن الجهد العسكري المصري يقتصر حصرياً على الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها، ولا يشمل شن حرب في اليمن، وهو الملف الذي تعامل معه البرلمان المصري بهدوء مؤسسي حين أرجأ مناقشة التفويض إلى السادس والعشرين من أكتوبر. فمصر لا تبحث عن حرب، لكنها ترفض أن يتحول ضبط النفس إلى ذريعة لاستباحة أمن الأشقاء. وفي المقابل، لا تحتاج المملكة بترسانتها العسكرية الضاربة لمن يقاتل نيابة عنها لسد نقص، ولا تلتفت لفقاعات المبتزين والمتاجرين بالمواقف، بل تبني مع حلفائها الإقليميين والدوليين «قوة منظومة» تجعل أمنها واستقرارها مصلحة عالمية مشتركة ترفع كلفة الحماقة على المعتدي.
بهذا المعنى تُقرأ الرسالة الخطية التي تسلمها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء من الرئيس السيسي في قصر اليمامة، بحضور وزيري الخارجية ورئيسي المخابرات في البلدين، بوصفها حائط صد استراتيجياً؛ وهو الموقف الذي رحب به رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي باعتباره ركيزة لاستعادة مؤسسات الدولة المختطفة. فحسم المعركة داخل اليمن يظل مهمة اليمنيين أنفسهم تحت مظلة الشرعية، شريطة التخلص من المشاريع التمزيقية التي تظن بسذاجة أن الحوثي التوسعي سيكتفي بالشمال ويترك لها الجنوب. لقد وصلت سكين الاستنزاف إلى عظم الميليشيا، ولا يُهزم في الحروب إلا من كان الأعجل في إيقافها؛ والامتحان العسير اليوم أمام الشرعية اليمنية وحلفائها هو ألا يُلدغوا من جحر الهدن الخادعة مرتين، فالقبول بأي «ستوكهولم ثانية» —سواء جاءت بربطة عنق مبعوث أممي أو بعمامة وساطة دينية — سيكون انتحاراً استراتيجياً وتوقيعاً رسمياً على إعدام الدولة اليمنية إلى الأبد.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال