أسامة عفيف
بعد سنوات من الحرب الكارثية التي تسببت بها جماعة “الحوثي”، وفي حين وصل الوضع المعيشي بمناطق سيطرتها إلى أقصى درجات التدهور، ها هي الجماعة ذاتها تغامر بأرواح المدنيين، لخوض غمار حربٍ بالوكالة، حربٌ لا ناقة لليمنيين فيها ولا جمل، ذنبهم الوحيد أنهم يعيشون في ظل جماعة لا تعير اهتماما لأمن المواطن بقدر سعيها لتحقيق أجندة خارجية ونيل رضىِِ حليفتها الأم إيران مقابل أي ثمن.
ومع بروز الحديث عن قرب التوصل لاتفاق دائم بين حركة “حماس” وإسرائيل برعاية أمريكية، تتعالى أصوات يمنية لتتساءل عمّا قدمته إيران لليمنيين طوال هذه السنين؟ ولماذا سيدخلون الآن في معترك جديد من حرب إيران القادمة؟ أسئلة تتردّد بين الناس في الشارع اليمني دون وجود إجابة واضحة، وسط حالة من الترقّب والقلق من المستقبل المجهول لهذه البلاد.
“الحوثي”.. ذراع إيران الفاعل بالمنطقة
وكيل وزارة العدل اليمنية فيصل المجيدي يقول إن جماعة “الحوثي” “أداة إيرانية بامتياز”، ترتفع وتيرة أعمالها العسكرية والحربية – سواء تجاه الشعب اليمني أو ضد المنطقة – وفق المصالح الإيرانية، لاسيما وأن الجماعة حالياً هي “الفاعل الوحيد لما يسمى محور المقاومة”.
يؤكد المجيدي بأن جماعة “الحوثي” تخوض حرب إيران وليست حرب اليمنيين، ولا يهمها إلا خدمة المصالح الإيرانية، لتصبح النتائج كارثية على اليمنيين من خلال تدمير البنية التحتية في البلاد.
المسؤول اليمني يشير إلى أن المواطنين بمناطق سيطرة “الحوثيين” لم يعد لديهم الكثير من الترف لخوض مثل هذه الحرب، إذ إن الجماعة قد أوصلت الناس إلى الحضيض من كافة الجوانب، ولذلك فإنها “وبال أصاب الشعب اليمني”.
هل يستغل اليمنيون الفرصة؟
في تصريح خاص لموقع “الحل نت”، يقول الخبير العسكري علي الذهب، إن جماعة “الحوثي” ستدخل في حال اندلاع أي مواجهة إيرانية إسرائيلية بغية “تحقيق مكاسب سياسية وإبراز حضورها في المعادلة الإقليمية، لكنه يطرح تساؤلاً مهماً، فيما إذا كان اليمنيون سيستغلون هذه الحرب المحتملة للإطاحة بالجماعة؟
وفي تقييمه للوضع الراهن، يرى الذهب أن النفوذ الإيراني في اليمن يشهد تراجعاً على المستوى السياسي، “لكنه ما يزال قائماً عسكرياً، من خلال استمرار الدعم اللوجستي والتقني للحوثيين”، موضحاً أن جماعة “الحوثي” تُقدم الولاء الأيديولوجي لإيران، مقابل دعم يمكّنها من التوسّع والسيطرة.
ويٌحذّر الخبير اليمني من تحول جماعة “الحوثي” إلى “نسخة مصغرة من إيران” في المنطقة، نتيجة سعيها الحثيث للتمكن من السلطة، والتماهي مع العقيدة السياسية الإيرانية، مؤكداً أن تخلي “الحوثيين” عن إيران، إن حدث، لن يُسقط مصالح طهران وحسب، بل قد يُحدث ارتدادات على حلفائها الاستراتيجيين، مثل الصين.
حملة شعبية لمقاطعة المنتجات الإيرانية في اليمن
ماذا قدمت إيران لليمن؟
كما في سوريا ولبنان والعراق، لم تُقدم إيران لليمن سوى الحرب والدمار، حيث كانت البلاد عام 2013، قد بدأت تسير بخطى ثابتة نحو الاستقرار والبناء، تحت مظلة الحوار الوطني الشامل، قبل أن تنقلب جماعة “الحوثي” على الدولة.
ومنذ إعلان إيران أن صنعاء هي العاصمة العربية الرابعة التي صارت بيدها، دخلت اليمن في نفق مظلم من الحروب والأزمات والانقسامات السياسية والمجتمعية والطائفية.
مواطنون في صنعاء، عبّروا لموقع “الحل نت” عن استيائهم الكبير من “التصرفات الهمجية” لجماعة “الحوثي” من خلال سعيها لتحقيق مكاسب دعائية وترويجية للجماعة، متجاهلة المآسي التي ستحدث للناس في مناطق سيطرتها، مؤكدين أنها “تصرفات رعناء لا تفكر بنتائج ما يمكن أن يحصل”.
وتستمر جماعة “الحوثي” بالمقامرة بحياة المدنيين، فوق ما تسببت لهم من كوارث كثيرة على مدار عشر سنين، بدءاً من انقلاب على الدولة إلى حرب أهلية وليس انتهاء بانقطاع الرواتب ووضع معيشي صعب على كافة المستويات.
وفي هذا الشأن، يرى الكاتب اليمني مجاهد القريضي، أن أي اتفاق سيتم التوصل إليه بين “حماس” وإسرائيل، سيُفقد “الحوثيين” مبرر ضرب المواقع الإسرائيلية، و”هذا ما يجعلنا كيمنيين نرفض دخول اليمن في حرب إيرانية بالمنطقة نحن في غنى عنها”.
يضيف القريضي بأن إيران لم تُقدم لليمن شيئاً سوى الدمار والفقر والجهل، بل وتستخدم الأراضي اليمنية من خلال ذراعها “الحوثي”، “كمنصة لتهديد الملاحة البحرية الدولية من أجل ابتزاز العالم، وكسب أوراق لعب تفيدها في مفاوضات برنامجها النووي”.
يوضح الكاتب اليمني بأن إيران اتجهت نحو المتاجرة بالقضية الفلسطينية لتكسب تأييد الرأي العام العربي والإسلامي، وواصلت دعمها لـ “الحوثيين” الذين يعملون “كبيادق بيدها تستخدمهم في حربها ضد إسرائيل، تحت ذريعة الدفاع عن غزة، فيما المتضرر هم اليمنيون”.
من صنعاء إلى عدن.. الجميع ضد “الحوثي”
مواطن من صنعاء، فضّل عدم ذكر اسمه، يقول إن جماعة “الحوثي” لا يهمها ما سيصيب المدنيين هناك، بل هي تسعى لتحقيق طموحاتها فقط، غير مكترثة لأي شيء سيصيب الناس.
ومن مأرب يقول الباحث اليمني عز الدين الضالعي، إن إيران لم تقدّم لليمنيين أي دعم تنموي أو إنساني يُذكر، بل أسهمت في زيادة الانقسام والعنف من خلال دعمها لجماعة “الحوثي”، التي نفّذت انقلاباً مسلحاً على الدولة في عام 2014.
في تصريح لموقع “الحل نت”، أوضح الضالعي أن ما حدث منذ ذلك الانقلاب “لم يكن سوى تنفيذا لمشروع خارجي بأيدٍ محلية، يهدف إلى إخراج اليمن من سياقه العربي، وتحويله إلى ساحة صراع إقليمي تخدم طهران فقط في صراعها مع خصومها”.
وأشار الباحث اليمني إلى أن ما يُعرف بـ “محور المقاومة” لا يعني لليمنيين شيئاً إذا كان الثمن هو تدمير وطنهم وتحويله إلى ورقة تفاوضية أو قاعدة عسكرية تستخدمها طهران عند الحاجة، لافتاً إلى أن الشعب اليمني “بحاجة إلى السلام، والاستقرار، وبناء مؤسسات الدولة، وليس إلى مزيد من حروب الوكالة”.
“اختزال اليمن في جماعة الحوثي تبنٍ لخطاب الانقلاب وشرعنة له، إذ إن اليمن بتاريخ حضارته وعمق شعبه لا يمكن اختزاله في ميليشيا مسلحة فرضت نفسها بقوة السلاح”.
الناشط اليمني محمد عبدالإله من عدن
وفي تصريح لموقع “الحل نت”، اعتبر عبدالإله أن إيران لم تقدم شيئاً لليمن “سوى الموت، وتعطيل الحياة، وتوفير الذرائع المستمرة لانتهاك سيادة البلد وتدمير بنيته ومقدراته”، معبراً عن رفضه القاطع لاستمرار جماعة الحوثي في المقامرة بأرواح اليمنيين، والزجّ بالبلاد في حرب بالوكالة عن إيران.
وتجدر الإشارة إلى أن ما قامت وتقوم به جماعة “الحوثي”، من مغامرات في البحر الأحمر والإقليم، يأتي خدمة للمشروع الإيراني، من خلال استغلال القضية الفلسطينية والحرب في غزة. ويخشى اليمنيون سيناريو حرب إيرانية قادمة، إذ إنه من المؤكد أن جماعة “الحوثي”، باتت الذراع الإيرانية الأخيرة النشطة في المنطقة وستخوض المعركة مع إيران، فيما سيدفع اليمنيون وحدهم الثمن باهظاً، كما دفعوه في المغامرة الحالية التي آلت إلى تدمير البنى التحتية والمنشآت الحيوية من موانئ ومطارات.
ومع اتساع رقعة التوتر الإقليمي واحتمالات اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل، يبقى اليمن عالقاً في مرمى النيران، بفعل ارتباط جماعة “الحوثي” بالمشروع الإيراني، حيث تنشغل الجماعة بتحقيق مكاسب دعائية وإرضاء حلفائها، يدفع اليمنيون وحدهم ثمن هذه المغامرات، في وقت يحتاج فيه بلدهم إلى إعادة بناء الدولة، لا الانخراط في حروب لا تعنيهم. وفي أتون هذا الوضع المضطرب، يبرز سؤال جوهري، إلى متى سيبقى اليمن ساحةً مفتوحة لحروب الوكالة؟ وهل يملك اليمنيون فرصة لانتزاع قرارهم الوطني قبل أن تُستنزف بلادهم في صراعات خارجية؟
التصنيف :
تقارير