د. علي العسلي
لم يعد المشهد في اليمن يحتاج إلى كثير من التأمل؛ فالصورة صارت ناطقة بالفوضى التي تحكمها المفارقات.
بلدٌ كان يُعرف يومًا بـ"اليمن السعيد"، أصبح فيه الجاهل يحاكم العالم، والمسلّح يختطف المفكّر، والمغتصب يتصدّر المشهد باسم “الوصاية الإلهية”.
ومن بين كل تلك المفارقات المؤلمة، يبرز اختطاف المفكر والأستاذ الجامعي الدكتور حمود العودي كعلامةٍ على زمنٍ انقلبت فيه القيم، وتراجعت فيه المعرفة أمام الغلبة، والفكر أمام الجهل.
العلم في وجه السلاح
في صباحٍ رماديٍّ من أيام صنعاء، استدعى ما يسمى بـ"جهاز الأمن والمخابرات" التابع للحوثيين أستاذ علم الاجتماع في جامعة صنعاء، الدكتور حمود العودي، الثمانيني المسالم الذي أنهكه المرض، فلبّى الدعوة كما يليق برجل فكرٍ يثق أن لا ذنب له سوى كلمةٍ نشرها على "فيسبوك".
لكنّه لم يعد. انقطعت أخباره، وامتدّ صمته القسريّ، فتكشّفت حقيقة الجهة التي استدعته: سلطةٌ تخشى الكلمة أكثر مما تخشى الرصاص.
لم يكن منشوره تحريضًا ولا دعوةً للعنف، بل تساؤلاً فكريًا عن واقعٍ عربيٍّ متناقض، يقارن فيه بين الهندي المسلم الذي يحكم نيويورك، والباكستاني الذي يحكم لندن، وبين حال العرب الذين ما زالوا يتناحرون باسم المذهب والطائفة والحق الإلهي في الحكم.
ذلك السؤال البسيط أوجعهم، لأنهم يدركون أن الكلمة الواعية تُفكّك أوهامهم، وتُسقط هالتهم الزائفة.
مسيرة فكرٍ لا تُختصر في منشور
منذ أربعة عقود، كان الدكتور حمود العودي أحد أعمدة الفكر الاجتماعي في اليمن، باحثًا عن جذور الهوية اليمنية الجامعة، ومدافعًا عن المدنية والعقلانية في وجه تيارات التعصب والتكفير.
في الثمانينيات، واجه المتطرفين داخل الحرم الجامعي، فاتهموه بالردة، وحاولوا قتله. لكنه لم يهرب من فكرته، بل احتمى بها، وواصل مسيرته التنويرية بتأسيس منتدى “دال” الثقافي، الذي تحوّل إلى منبرٍ للحوار والتعايش والتنوير في صنعاء.
واليوم، يُعاد المشهد ذاته: المفكر ذاته يُختطف، والسبب ذاته يُعاد، لأنهم لم يتغيروا، ولا زالوا يخافون من ضوءٍ صغير قد يبدّد عتمتهم.
حين يتحوّل الجهل إلى عقيدة
الجهل في سلطة الحوثي لم يعد عَرَضًا، بل منهج حكمٍ يقوم على تغييب العقل وتقديس الجهل.
فالأمن عندهم وسيلة لتكميم الأفواه، والقضاء غطاءٌ للاختطاف، والهوية شعارٌ لإلغاء الآخر.
لقد حوّلوا الدين إلى سوطٍ، والعقيدة إلى قيد، والوطن إلى سجنٍ كبيرٍ لكل من يفكر خارج السرب.
فهم يخشون العقول الحرة لأنها تذكّر الناس بأن الحقيقة لا تُستخرج من فوهة البندقية، ولا يُصاغ الوعي في دهاليز المخابرات.
رمزية الموقف... ونهاية الخوف
اختطاف العودي وأمثاله ليس علامة قوة، بل دليل ضعفٍ ورعبٍ من الفكر والعلم.
فالطغاة عبر التاريخ ما خافوا شيئًا مثل خوفهم من المفكرين، لأنهم يعرفون أن الكلمة الحرة وحدها قادرة على تقويض عروشٍ من الطين.
وكلما ضاقت الدائرة على الفكر، اتسعت على الاستبداد.
ومهما طال ليل صنعاء، فثمة وعيٌ جديدٌ يتكوّن في أعماق الناس، يرفض الخرافة، ويبحث عن يمنٍ يتّسع للجميع.
صوت التضامن والضمير
أمام هذا الحدث الجلل، لم يصمت الأحرار.
فالسفير علي العمراني تساءل بمرارة:
"ما الخطر الذي يشكله أكاديمي مسن ومسالم ومريض عمره ثمانون عامًا؟"
أما الأستاذ عبدالباري طاهر، فكتب بشجاعة:
"العودي علمٌ من أعلام اليمن، نذر نفسه للمعرفة والعلم، وواجه التطرف منذ عقود."
نعم، فهؤلاء المفكرون ليسوا سياسيين ولا محاربين، بل ضمائر حية تسعى إلى يقظة الوعي وإحياء العقل.
واعتقالهم لا يُدينهم، بل يُدين من يخاف من النور.
صرخة في وجه الصمت
إن السكوت على اعتقال العلماء والمفكرين خيانةٌ للضمير الإنساني، وتواطؤٌ مع الجهل والاستبداد.
لهذا، فإننا نرفع الصوت عاليًا:
أطلقوا سراح العقول، قبل أن تفرغ البلاد من الفكر والضمير!
وندعو الهيئات والمؤسسات الثقافية والنقابية ، ومنظمات حقوق الإنسان، والعواصم العربية، والأمم المتحدة، أن تتحرك فورًا لإدانة هذه الجرائم بحق الفكر والإنسان.
كما نناشد المثقفين والأكاديميين في اليمن وخارجه أن يوحدوا صوتهم تضامنًا مع الدكتور حمود العودي ورفيقيه عبدالرحمن العلفي وأنور شعب، تحت شعار:
العلم لا يُختطف
العودي.. ضمير اليمن الحر
التصنيف :
كتابات واراء