لم يضِع اليمن لأنه بلد ضعيف، بل لأنه تُرك طويلًا بين أيدٍ لا تبني له مستقبلًا.
بين بريطانيا التي تمسك قلم مجلس الأمن، فتكتب قرارات باهتة لا ترى اليمن إلا من نافذة “التهدئة المؤقتة”،
وبين ميليشيا الحوثي التي تحمل الشَّريم—مقص الموت— وتجتزّ به رؤوس اليمنيين ووحدة بلدهم ومستقبل دولتهم.
وبين القلم والشريم، يظل اليمني عالقًا بين موتٍ ينزل من السماء وحياة تُسرق من الأرض.
يحنّ إلى دولته المخطوفة، وسيادته المسلوبة، وإلى وطن لم يعد يُذكَر في نيويورك إلا كملف أمني، لا كبلد يريد الحياة.
قرار 2801: جديد بروح قديمة
القرار الدولي الأخير 2801 (2025) لم يأتِ بجديد.
مجرد تمديد للعقوبات، وتمديد لولاية فريق الخبراء، وإدانة شكلية لهجمات الحوثي، ثم دعوة مكررة لـ “تهدئة” بلا ضمانات، وعملية سياسية بلا إطار، مع طمأنة لفظية للدول البحرية أكثر مما هي لليمنيين أنفسهم.
إنه قرار بلا روح سياسية… لكنه ليس بلا أهداف.
يعكس سياسة دولية واضحة: إبقاء الملف اليمني في حالة تجميد، لا انفجار ولا حل.
المطلوب هو إدارة الأزمة، لا إنهاؤها، وضبط النار لا إطفاؤها.
بريطانيا: القلم الذي يعيد رسم المشهد
البصمة البريطانية واضحة في كل سطر من القرار:
التركيز على العقوبات
فريق الخبراء
البحر الأحمر
مسارات التهريب
ربط اليمن بالسياقات الإقليمية (غزة – البحر الأحمر – الملاحة)
هذا يعني أن لندن تريد اليمن ملفًا بحريًا أمنيًا، لا ملف دولة وجمهورية وسيادة وحقوق وأجور.
من خلال “القلم”، تضمن بريطانيا:
دورًا دائمًا في البحر الأحمر
شرعية دولية للتواجد الغربي
إبقاء الأزمة تحت السيطرة… دون حل
أزمة مُدارة… لا أزمة منتهية.
العقوبات: تؤرخ الجرائم لا إنهاء الحرب
العقوبات لا تُسقط صاروخًا، ولا توقف تهريبًا، ولا تعيد مؤسسات الدولة، ولا تحمي الاقتصاد، ولا تمنع إيران من النفخ في نار الحرب.
هي مجرد أداة توثيق، تُسجّل الجرائم في دفاتر الأمم المتحدة، بينما يبقى الضحية هو اليمني، لا الجاني.
الشرعية خارج المعادلة
أخطر ما في القرار أنه يعامل الحكومة الشرعية كطرف ثانوي، بينما ينظر للحوثي كـ “سلطة أمر واقع” يجب التعامل معها.
هذا يعني:
إزاحة تدريجية للدولة
تمكين ضمني للانقلاب
تطبيع لحكم الميليشيا
ويصبح المبعوث الأممي مجرد وسيط تهدئة، لا مهندس سلام أو صانع حل.
ما تجاهله القرار
القرار لم يتطرق إلى ما يهم اليمنيين:
المرتبات
رفع الحصار
اطلاق الاسرى والمختطفين
استعادة مؤسسات الدولة
الوضع الاقتصادي الكارثي
النازحين
الجبايات
البنك المركزي
نهب الموارد
... تجاهل مقصود… لأنه يُسهّل للحوثي ترسيخ سلطته ويضعف الشرعية، ويؤجل أي مسار لبناء الدولة.
اليمن بلا حرب، بلا سلام، بلا دولة… فقط إدارة رماد الأزمة.
بين القلم والشريم… اليمن مقصوص الجناحين
بريطانيا تمسك القلم، والحوثي يمسك الشريم، وبينهما وطن يتآكل كل يوم.
حتى الأغنية اليمنية الشعبية أدركت المشهد قبل السياسة، منذ زمن بعيد.
قصيدة "حنين المفارق – وا حاملات الشريم" التي شدا بها أيوب طارش، صارت مرآة لوجدان بلد يرى مقصّه يتحول من أداة للحصاد إلى أداة للقتل.
ندى الصباح تحوّل إلى دخان بارود
حتى القمح صار شاهدًا على الدمار…
مخازن القمح، التي كانت خزائن حياة، تحولت إلى قبور للأمل،
وسنابل الحقول التي كانت رمز الخصوبة، صارت رمادًا تحت أقدام الحرب.
الزنان والزراكش، أهازيج الريف وأصوات الطيور، صارت اليوم مدافعًا وصواريخ،
تقتل فرح الحقول وتُخرس أغاني الصباح.
والشريم الذي كان يقص الأعشاب ليحصد الخير، صار يقص الرؤوس ويمزق وطنًا بأكمله.
بهذا التناقض، يختصر الفن الفجوة بين اليمن الذي كان واليمن الذي يُراد له أن يكون.
بين لندن وصنعاء… شعب يحنّ للدولة
اليمني اليوم يقول لوطنه ما قاله الشاعر:
“عد يا حبيبي لحولك… خير الصراب فيك حالم”
لكن “الحبيب” هنا ليس شخصًا… بل الدولة نفسها:
دولة القانون
الجمهورية
المؤسسات
صنعاء المدنية… لا صنعاء الثكنة الحوثية
الختام: اليمن لم يمت
قد يبدو اليمن متعثّرًا بين حاملة القلم بريطانيا وحاملة الشريم عصابة الحوثي، لكنه لم يمت.
شعبه—برغم الجراح—ما يزال ولهانًا، عاشقًا، صابرًا، متشبثًا بجمهوريته.
يحمل اليمن في قلبه كما يحمل صوت أيوب في سمعه ووجدانه.
ويعرف أن الشريم ستعود يومًا إلى وظيفتها الطبيعية… تحصد الأعشاب لا الأعناق، وتسقي الأرض لا تروّي المقابر.
اليمن… سينهض. لأن شعبه، بصوته وأغانيه، بأرضه وحلمه، لا يموت.
التصنيف :
كتابات واراء