الحشود لا تصنع شرعية: قراءة في خطاب عيدروس الزبيدي.د. فائزة عبدالرقيب.


في احدث ظهور له عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، قدم عيدروس الزبيدي خطابا سياسيا بدا منفصلا الى حد كبير عن الواقع المعيشي القاسي الذي تعيشه عدن وسائر المحافظات الجنوبية. خطاب مثقل بالمفردات الكبيرة وادعاءات التمثيل الشعبي، لكنه في جوهره يكشف أزمة قيادة اكثر مما يقدم مشروعا وطنيا جامعا قادرا على الاستجابة لتطلعات الناس.

تقديم الزبيدي لـ"البيان السياسي" و"الإعلان الدستوري" بوصفهما تعبيرا عن إرادة الجنوب يتناقض مع طبيعة ما انبثق عنهما من مسارات سياسية صيغت في إطار إقصائي، استُبعدت فيه مكونات جنوبية رئيسية كان لها السبق في حمل القضية الجنوبية والدفاع عنها. وهو ما يطرح تساؤلا مشروعا حول مدى تمثيل هذه المسارات لمجمل الجنوب، وكيف جرى تحويل كيان محدود التمثيل الى عنوان يُسوَّق باعتباره إرادة شعبية جامعة.

المفارقة اللافتة أن الزبيدي يعلن في خطابه أن "صوت الشعب الجنوبي هو مصدر الشرعية الحقيقية"، في لحظة سياسية وأمنية حساسة، ما تزال فيها عدن، تعاني من أزمات متراكمة من انقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات وانهيار العملة. اين كان "صوت الشعب" حين تُرك الناس يواجهون معاناتهم اليومية؟ معاناة يصعب فصلها عن خطاب يركز على الشعارات اكثر من تحمل المسؤوليات، في وقت أُمسكت فيه المدينة بقبضة أمنية خانقة، جرى خلالها عرقلة أداء الحكومة وتغييب سلطة الدولة ومؤسساتها، وكانت تلك السياسات سببا مباشرا في تعميق معاناة عدن واهلها.

اما التظاهرة التي جرى تضخيمها اعلاميا وتقديمها كتفويض سياسي جديد، فهي – مهما بلغ حجمها – لا تمنح شرعية ولا تجديدا للتمثيل. فقد اثبتت التجربة أن الحشود وحدها لا تصنع قيادة ولا تؤسس لتفويض دائم، ما لم تترجم الى سياسات عملية تحدث تحسنا ملموسا في حياة المواطنين، لا سيما حين تترك المدينة واهلها المدنيون العزل يواجهون الأزمات، بينما توظف الجهود لتعزيز النفوذ الشخصي والمناطقي على حساب الناس.

ويبدو الحديث عن "الثبات ووحدة الصف" منفصلا عن الواقع في ظل الانقسامات التي شهدها الجنوب خلال السنوات الماضية واحتكار القرار السياسي واتخاذ قرارات احادية بعيدا عن اي شراكة حقيقية او حوار داخلي. وقد انعكس ذلك بوضوح في تآكل ثقة الشارع بخطاب لم يواكبه اي انجاز فعلي على الارض.

لقد دخل المشهد السياسي اليوم مرحلة مختلفة، لم تعد فيها الخطابات التعبوية كافية لإقناع الشارع. عدن لا تحتاج استعراضات بل حلولا. إنها تحتاج إدارة حقيقية ومسؤولين يعيشون أزماتها لا يعلقون عليها من الخارج. فالسياسة ليست سباق صور ولا بثا مباشرا بل التزام تجاه الناس. واي قيادة لا تدرك أن المرحلة مرحلة خدمات ومرتبات واستقرار ستبقى – مهما علا صوتها – مجرد صدى مرتفع بلا قيادة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال