ربَّ ضارّةٍ نافعة: اليقظة السعودية في مواجهة مشاريع “التطويق”د. علي العسلي


في السياسة، لا تُقاس اللحظات الفارقة بضجيجها، بل بقدرتها على نقل الواقع من الالتباس إلى الوضوح، ومن إدارة الأزمة إلى إعادة تعريفها. ومن هذا المنظور، لم تكن رسالة الأمير خالد بن سلمان إلى اليمن خطاب تهدئة عابرًا، بل إعلانًا صريحًا عن نهاية مرحلة وبداية أخرى؛ مرحلة استعادة الدولة، وإنهاء العبث، وإغلاق ملف الازدواجية بين الشرعية واللادولة.

جاءت الرسالة بلسان الشريك لا الوصي، وبنبرة الطمأنة لا الإملاء، لتؤكد أن زمن الغموض قد انتهى، وأن مستقبل اليمن لم يعد يحتمل التراخي أو إدارة الأزمات بالمجاملات أو التسويات الهشّة.

هذا التحول لم يكن معزولًا عن سياقه، بل تتويجًا لمسار مراجعة وتقييم طويل، انعكس سريعًا في الميدان والسياسة معًا. فما جرى في حضرموت والمهرة لم يكن حدثًا أمنيًا عابرًا، بل لحظة كاشفة لسقف جديد في التعامل مع محاولات فرض الأمر الواقع، والمدعومة من قوى إقليمية طامعة ومعادية للمملكة وللشعب اليمني. وكانت الرسالة حاسمة وسريعة: الجغرافيا اليمنية لم تعد ساحة مفتوحة للمغامرات.

وقد كشفت مقامرة الزبيدي، وما ترتب عليها من أضرار جسيمة بحضرموت وأهلها، عن تباين استراتيجي عميق بين المملكة والإمارات؛ فبينما تنظر المملكة إلى اليمن بوصفه ركيزة أساسية لأمن واستقرار الخليج، تتعامل معه الإمارات كأداة في لعبة إقليمية تُزعزع الأمن وتخدم أجندات خارجية لا مصلحة لليمن ولا للسعودية ولا للمنطقة فيها.

ومع اتساع انتشار قوات درع الوطن، التابعة للقائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية، تكرّس عمليًا معنى استعادة القرار الأمني ضمن إطار الدولة لا خارجها. كما عكست الإجراءات السياسية والإدارية اللاحقة – من إعفاءات وتحقيقات، وملء الشواغر في مجلس القيادة الرئاسي، والتوجه السريع لتشكيل حكومة جديدة بعد فشل شراكة المناصفة مع المجلس الانتقالي في تحقيق أهدافها – توجّهًا واضحًا نحو تحميل المسؤولية لا تدوير الأخطاء.

وأكدت التغييرات في مجلس القيادة الرئاسي أن المرحلة الجديدة تقوم على الولاء الوطني، والكفاءة، وتحمل المسؤولية، لا على منطق الترضيات أو تعطيل مسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي والأمني.

وفي هذا السياق، بدا جليًا أن المملكة لم تعد تقبل بمشاريع “التطويق” أو “التشظي” التي تُدار باسم الاستقرار المؤقت، بينما تفضي عمليًا إلى تآكل الدولة وتفكيكها تدريجيًا.

كما جاءت الدعوة إلى حوار جنوبي–جنوبي في الرياض تأكيدًا عمليًا على أن القضية الجنوبية قضية سياسية وطنية جامعة، لا يجوز اختزالها في جغرافيا أو كيان، ولا توظيفها كأداة صراع. وقد طُرح الحوار هنا كبديل استراتيجي عن القوة، وكطريق لمعالجة المظالم داخل الدولة لا على أنقاضها.

ومن هنا تُقرأ كلمة الأمير خالد بن سلمان الختامية في رسالته المؤرخة في 27 ديسمبر 2025، والمعنونة بـ «إلى أهلنا في اليمن»، حين اختتمها بكلمة واحدة: «انتهى»؛ لا بوصفها خاتمة لغوية، بل عنوانًا سياسيًا واسع الدلالة.
انتهى غضّ الطرف، انتهى التسامح مع تفتيت الدولة، وانتهت مرحلة الالتباس… وبدأت مرحلة الوضوح.

وعليه، فإن ما يُروَّج له بوصفه خلافات عابرة أو تنافسات إقليمية ليس سوى قراءة قاصرة، كما بيّن بعمق الكاتب سليمان العقيلي في مقاله «حول مزاعم التنافس والإخضاع: حقيقة الخلاف السعودي–الإماراتي». فالمسألة في جوهرها ليست صراع نفوذ، بل تباين في الرؤية بين من يضع الدولة في مركز المعادلة، ومن يغامر بتفكيكها تحت عناوين براقة. وقد حسمت المملكة، بثقلها ومكانتها، خيارها بالانحياز الصريح لمنطق الدولة، لا بوصفه خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة أمنية واستراتيجية.

هنا تكمن الفرصة الحقيقية: فإذا نجح اليمنيون، وفي مقدمتهم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، في استثمار هذا الوضوح السعودي وتحويله عمليًا إلى شراكة فاعلة تُفضي إلى استعادة صنعاء بوصفها البوصلة الحقيقية والإنجاز الأول في سلّم الأولويات، وبناء دولة قادرة في آنٍ واحد، فإن اليمن لن يعود ملفًا مؤجّلًا، بل محور استقرار إقليمي. أما إذا أُهدر هذا التحول في صراعات ضيّقة، فستُستعاد الفوضى بأسماء جديدة.

اليوم يمكن القول بثقة:
لا أمن للسعودية دون يمن موحّد،
ولا كرامة لليمن دون دولة،
ولا استقرار للمنطقة دون إدماج اليمن في منظومتها الخليجية.

وهكذا تُفهم رسالة الأمير، لا كنص، بل كإعلان سياسي بأن زمن العبث قد انتهى، وما بعده – بالضرورة – زمن الدولة.

ختامًا:
حين تنتهي لعبة التشظي، يبدأ زمن الدولة؛
واليمن الموحّد، واستعادة عاصمته، وسحب السلاح المتفلّت من أيدي الخارجين عن القانون،
هو ضمان أمن الخليج،
كما أن الخليج هو ضمان استقرار اليمن.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال