لو كانت الثورات تموت بموت قادتها، لماتت ثورة فلسطين برحيل ياسر عرفات والشهيد أحمد ياسين، ولو كان الاحتلال ـ مهما بلغ فاشيّته ـ أقوى من إرادة الشعوب، لبقيت فرنسا، وليبيا، ومصر رازحة تحت نيره إلى الأبد.
لكن التاريخ يقول غير ذلك؛ يقول إن القادة يرحلون، بينما الأوطان تبقى، وإن الرجال يُغَيَّبون، بينما الفكرة تتجدد.
مات عرابي، وسعد زغلول، وعبد الناصر، وبقيت مصر.
ومات عمر المختار، فبقيت ليبيا.
ومات عبد القادر الجزائري، فظلت الجزائر حيّة.
استشهد الزعيم علي صالح، فتشكلت المقاومة الوطنية لتواصل الدرب، لا بوصفها حنينً إلى شخص، بل وفاء لمسار وطني، واستمرارا لنهج ثورة الثاني من ديسمبر.
موت الثوار ليس نهاية الثورات، بل لحظة انبعاث جديدة لروحها. فالثورات لا تختزل في أسماء، ولا تحبس في تواريخ. اليورات الحقيقية تسكن وعي الشعوب، وتنتقل من جيل إلى جيل، حتى تبلغ غايتها.
وهكذا ثورة الثاني من ديسمبر باقية، لأن لها جذورا في الأرض والذاكرة، ولأن لكل ثورة جيلها، ولكل جيل ثوّاره، حتى يأذن الله بنصرٍ عزيز.
لقد صنع موسى عليه السلام الثورة، ولم يصنع النصر، لأن النصر كان قدر جيل آخر، آمن بالفكرة وحملها حتى النهاية.