المقاومة الوطنية نُبل في التصالح ونبذ الخصومة.منور عقلان


في مشهد سياسي مأزوم، تتجلى المقاومة الوطنية كقوة تتجاوز منطق الاصطفاف الضيق، وتنهض بمسؤولية تاريخية وأخلاقية تفرض عليها أن تظل في موقع المبادرة للتصالح، ونبذ الخصومه العبثية في ميدان السلوك السياسي والوطني. إنها لا تفتش عن الانتصار على الخصوم بقدر ما تسعى إلى الانتصار للجمهورية، ولا تلهث خلف المصالح الضيقة بقدر ما تنشد وحدة الصف الجمهوري، فهي تؤمن أن معركتها الكبرى ليست مع المختلفين معها في الرأي، بل مع المشروع الحوثي الذي يهدد بنية الدولة، ويمزق نسيج المجتمع، ويعيد إنتاج الاستبداد في أبشع صوره.

دعوة المقاومة الوطنية وقياداتها للتصالح والاصطفاف ليس ضعفا، وإنما تعبير عن نضج سياسي، وإدراك لطبيعة اللحظة التاريخية التي تتطلب تجاوز الحسابات الصغيرة، والانخراط في مشروع وطني جامع. إنها لا تتنازل عن مبادئها، ولا تساوم على ثوابتها؛ لكنها تفتش في خصومها عن أي موقف مشرف، مهما كان ضئيلًا، لتبني عليه جسورا من التفاهم، وتفتح نوافذ للوفاق. جمهورها يتفاعل مع أي دعوة صادقة للمصالحة، وإعلامها يلتقط كل ما من شأنه أن يقلص الفجوة، ويعزز الانسجام، ويعيد ترتيب الأولويات على قاعدة "الجمهورية أولًا".

لكن هذا السلوك، الذي يفترض أن يقابل بالتقدير، يفهم خطأ من قبل خصومها. ويفسر هذا الانضباط عجزا، ويقرأ الوقار رهبة، وتُؤوّل الرغبة في التصالح على أنها لهاث خلف وفاق هش. 

في المقابل، تنشغل الأطراف الأخرى بتتبع الشائعات، وتضخيم التوافه، وصناعة أحداث من فراغ، لتبرير خصومة لا تستند إلى مشروع، بقدر ما تعبر عن عقدة تنظيمية، ومشكلات داخلية، وشعور دفين بالنقص أمام كيان صلب، متماسك، لا يختال بقوته، لكنه لا يتنازل عنها.

المقاومة الوطنية، بشهادة الجميع، من أكثر القوى صلابة، لكنها الأقل ضجيجا. لا تستعرض قوتها، ولا تتوسل الاعتراف، ولا تبتلعها الأوهام. خصومها، في المقابل، لا يملكون مؤهلات الحلول مكانها، ولا أدوات تجاوزها، لكنهم يواصلون التسديد في اتجاهات عشوائية، لا ينتجون منها سوى مزيد من العبث، ومزيد من التآكل الذاتي. إنهم لا يهزمون المقاومة، بل يهزمون أنفسهم، حين لا يتبقى لهم من مبرر للوجود سوى الخصومة معها، وحين تتحول هذه الخصومة إلى مأدبة يعالجون بها هزائمهم، ويُسكنون بها قلقهم من حضورها الطاغي.

المفارقة أن هذه الخصومة لا تبنى على اختلاف في المبادئ أو تضاد في الأهداف، وإنما على نزعة مرضية لتقويض كل ما لا يشبههم، حتى وإن كان يقاتل في ذات الخندق، ويقدم التضحيات ذاتها. 
 
هذا الحديث ليس دفاعـا أعمى، أكيل فيه المدائح للمقاومة الوطنية، وأهجو به خصومها السياسيين، بل قراءة متأنية لمواقف الطرفين. فالمقاومة الوطنية تبني مواقفها على أساس ثابت، منسجم مع قيم الدولة، والجمهورية، والحرية، والعدالة، والثورة، والهوية. هذه هي محددات علاقتها بالآخرين، لا الانتماء الحزبي، ولا الولاء الفئوي. المقاومة تقاتل بشراسة، لكنها لا تتخلى عن أخلاقيات القتال، وتدفع ضريبة المواجهة من دماء أبنائها، دون أن تبتز أحدًا، أو تتاجر بتضحياتها.

في المقابل، يكتفي خصومها بالوقوف ضد كل ما تقف معه، ويجعلون من معارضتها غاية في ذاتها، حتى لو كان موقفها في صلب الدفاع عن الجمهورية. يكفي أن تتبنى المقاومة موقفًا، ولو بشكل غير رسمي، حتى يسارعوا إلى التشكيك به، وتبني موقف مضاد، دون تمحيص أو مراجعة. وهذا، في جوهره، ليس اختلافا سياسيا، بقدر ما يعبر عن تيهان وشقاء يعكس أزمة في الرؤية، وخللًا في البوصلة.


المقاومة الوطنية لا تطلب من أحد أن يحبها، ولا تشترط على الآخرين أن يصفقوا لها. كل ما تطلبه أن يعاد ترتيب الأولويات، وأن يفهم أن المعركة الحقيقية ليست بين مكونات الصف الجمهوري، بل مع المشروع الحوثي الذي لا يعترف بأحد، ولا يقبل بشراكة، ولا يؤمن إلا بالهيمنة. المقاومة الوطنية تدعو إلى توحيد الجهد، واستعادة الوطن، وتحرير الإنسان، وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة.

أما أولئك الذين يلهثون خلف مصالحة مغشوشة، تؤمن لهم حصة ظرفية، دون أن تعنيهم المآلات، فهم لا يختلفون كثيرًا عن من يخاصم المقاومة الوطنية لمجرد أنها لا تشبهه. كلاهما يفتقد إلى البوصلة، ويسهم، عن وعي أو عن غفلة، في إطالة أمد الكارثة، وتكريس واقع الانقسام، وتبديد فرص الخلاص من مليشيا الحوثي.

المقاومة الوطنية منذ اللحظة الأولى لانبثاقها، كانت تعبيرا عن لحظة وعي جمعي، عن انبثاق إرادة شعبية قررت أن تضع حدا لحالة الانكسار، وأن تستعيد الدولة، وكرامة المواطن، وروح الجمهورية. لم يكن ثمة جدل في أن المقاومة الوطنية، منذ نشأتها، حملت على عاتقها مهمة تتجاوز حدود الجغرافيا والمعركة، لتلامس جوهر الفكرة الجمهورية ذاتها، تلك التي تأسست على أن السيادة للشعب، وأن الدولة عقد اجتماعي لا يختزل في سلالة، ولا يُختطف باسم الحق الإلهي.

لقد أدركت المقاومة الوطنية، في لحظة الانهيار الجماعي للشعب اليمني، أن خطورة المشروع الكهنوتي تكمن في منهجيته القاتلة في استهداف الهوية والثقافة اليمنية، وإلغاء وجود الشخصية اليمنية، وتفكيك الآواصر المجتمعية والثقافية للمجتمع اليمني، وتشكيل المخيال الوطني؛ لهذا كانت الوطنية كثيرا ما تؤكد على ضرورة توحيد الصف الجمهوري لمواجهة هذا المشروع، والعمل على توعية الناس بخطورة هذه السلالة ومواجهتا فكريا إلى جانب القوة العسكرية، والعمل بجدية لمواجهة هذا التهديد الوجودي تحت مبدأ "الجمهورية أولا". 

لم تكتفِ المقاومة الوطنية بالمواجهة مع هذه المليشيا الإجرامية، دون العمل على ترميم الصف الجمهوري، وإعادة لملمة الشتات، وبناء جبهة وطنية تتجاوز الانقسامات السياسية، وإعادة الاعتبار لفكرة الجمهورية بوصفها أفقا جامعا للخلاص من الكهنوت الحوثي.

 لقد كانت هذه المهمة شاقة، محفوفة بالتحديات، لا سيما في ظل واقع سياسي ممزق، ومشهد إقليمي متداخل، وسرديات متضاربة تسعى كل منها إلى احتكار الحقيقة. ومع ذلك، ظلّت المقاومة الوطنية متمسكة بخيارها، مدفوعة بإيمان عميق بأن استعادة الدولة ومؤسساتها ييدأ من استعادة الكرامة لليمني، وللسيادة، وللحق في أن يكون لليمنيين وطن لا يدار من الكهوف أو بمنطق الغلية، ولا يختزل في نسب أو سلالية عرقية. 

المقاومة الوطنية، في سلوكها السياسي، تقدم نموذجا نادرا في الاتزان، وفي الجمع بين الصلابة والانفتاح، بين القتال والتسامح، بين الثبات على المبادئ والمرونة في التكتيك. وهي، بهذا المعنى، لا تستمد شرعيتها من محبة الآخرين أو كراهيتهم، وإنما من التزامها الثابت بقضية استعادة الجمهورية، وعدالة القضية التي تنافح من أجلها، ومن حضورها الفاعل في الميدان، وقدرتها على أن تكون صوت العقل في زمن الجنون، ونقطة التقاء في زمن التمزق. ومن لا يرى ذلك، فمشكلته ليست مع المقاومة، بل مع ذاته.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال