هندسة الحرمان الإنساني في تعز.. كيف تحولت أضاحي الفقراء إلى غنائم حزبية ومحسوبيات سياسية؟



في عمق التلال المنهكة لمدينة تعز المحاصرة التي تعيش تحت وطأة التدهور الاقتصادي الحاد وتهاوي القيمة الشرائية للعملة المحلية يبرز عيد الأضحى المبارك كنافذة سنوية وحيدة ومحطة أمل تترقبها آلاف الأسر المعدمة للحصول على حصة ضئيلة من اللحوم التي غابت عن موائدهم طوال العام نتيجة الارتفاع الجنوني غير المسبوق في أسعار المواشي بالأسواق المحلية، لكن المشهد الإنساني المأساوي في تعز لم يعد يقتصر على مرارة العوز الطبيعي بل تعداه إلى صدمة مجتمعية عارمة فجرتها ممارسات وشبكات تابعة لتنظيم الإخوان المسلمين المتمثل محلياً بحزب الإصلاح اليمني عبر أذرعه الجمعوية والخيرية الممتدة في شتى أحياء ومحافظات المدينة، حيث تكشفت خيوط تلاعب منظم وعمليات نهب واخفاء واستغلال واسعة النطاق لمشاريع أضاحي العيد والمساعدات الغذائية المخصصة للفئات الأكثر هشاشة، وتأتي هذه الفضيحة الأخلاقية لتعيد تسليط الضوء على كيفية تحويل العمل الإغاثي من رسالة إنسانية مجردة إلى أداة وميكانيزم للسيطرة السياسية والفرز الحزبي وتثبيت النفوذ الميداني لتيار آيديولوجي يستغل جراح المواطنين لتغذية مصالحه وهياكله الخاصة على حساب الأمهات الثكالى والآباء العاجزين عن توفير لقمة العيش لأطفالهم في بلد تصفه التقارير الدولية بأنه يعيش إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم المعاصر.

 تفاصيل الخديعة الكبرى 

تبدأ فصول الكارثة الإنسانية قبل العيد بأسابيع عندما تباشر الجمعيات والمنظمات التابعة للتنظيم بالانتشار في الأحياء السكنية لجمع بيانات المواطنين وإصدار بطاقات واستمارات استلام رسمية مختومة بوعود توزيع لحوم الأضاحي مما يبث الطمأنينة في نفوس الأسر التي تظن أن عيدها سيكون مختلفاً هذه المرة لكن مع حلول أول أيام العيد تحولت هذه الآمال إلى كابوس وصدمة مروعة حيث تدفق آلاف المواطنين والنساء والشيوخ نحو المقرات والمراكز المحددة للتوزيع والتزموا بالطوابير الطويلة تحت أشعة الشمس الحارقة لساعات طويلة ممتدة حاملين كروت استلامهم ومواعيدهم الرسمية ليفاجأوا بردود فجة ومستفزة من القائمين على تلك المراكز تفيد بأن كميات اللحوم قد نفدت بالكامل وأن عملية التوزيع قد انتهت، وهذا الادعاء شكل صدمة قاسية للفقراء الذين توجهوا إلى المواقع قبل المواعيد المحددة بوقت كاف لتكشف الشهادات والتقارير الميدانية اللاحقة أن النفاد لم يكن بسبب كثرة المحتاجين بل بفعل عملية تحويل مسار قسرية وممنهجة لتلك اللحوم والأضاحي التي جرى سحبها وتخزينها وتوجيهها بعيداً عن مستحقيها الفعليين الذين كُتبت أسماؤهم في الكشوفات الرسمية المرفوعة للجهات المانحة في الخارج لغرض جلب التمويل المالي وضمان تدفق المنح الدولية والخليجية.

 المحسوبية والولاء كمعيار وحيد للتوزيع

إن الفحص الدقيق لآلية توزيع المساعدات والأضاحي في تعز يكشف بوضوح عن غياب كامل لأي معايير إنسانية أو أخلاقية أو مهنية متعلقة بمستوى الفقر والحاجة بل تم استبدالها بنظام صارم من الولاء والمحسوبية التنظيمية إذ أكد العديد من المواطنين والناشطين في الميدان أن لحوم الأضاحي والمنح الغذائية تم توجيهها بالكامل لصالح أسر منتسبي التنظيم والمقربين من القيادات العسكرية والمدنية التابعة للتنظيم وكذا لعناصر المسلحة والشبكات الدعوية المرتبطة بالمركز الحزبي في حين تُرِك الفقراء الحقيقيون والأرامل والمعاقون وعائلات الشهداء والجرحى الذين لا يملكون ظهيراً سياسياً يواجهون الحرمان والحسرة أمام بوابات المقرات المقفلة في وجوههم، ويعكس هذا السلوك عقلية الاستحواذ والتمييز الفئوي التي يتعامل بها التنظيم مع المقدرات الإغاثية حيث يُنظر إلى المعونات الخارجية والتمويلات المخصصة لإعانة الشعب اليمني كغنائم وموارد حصرية لتعزيز التماسك الداخلي للحزب وشراء الولاءات السياسية وبناء حاضنة اجتماعية نفعية تدين بالولاء للتنظيم وليس للوطن مما أدى إلى تعميق الانقسام المجتمعي ومضاعفة معدلات الجوع والفقر بين عامة الناس الذين يفتقرون للوساطة الحزبية.

 مشهد صادم 

لم تتوقف الجريمة عند حدود الحرمان والمنع والتمييز الحزبي بل تجاوزت ذلك إلى سلوك يعكس استهتاراً كاملاً بالقيمة الإنسانية والدينية للأضاحي حيث وثق ناشطون حقوقيون وإعلاميون بمدينة تعز عبر منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو الحية بقاء كميات ضخمة وهائلة من لحوم الأضاحي مكدسة ومحتجزة داخل مخازن ومستودعات الجمعيات التابعة للإخوان في تعز دون أن يتم توزيعها على مستحقيها خلال أيام التشريق والوقت المحدد شرعاً وعقلاً ونتيجة لسوء التخزين المتعمد وانقطاع التيار الكهربائي والإهمال الممنهج بقيت هذه الأطنان من اللحوم داخل ثلاجات معطلة أو غرف مغلقة حتى تعفنت تماماً وانبعثت منها الروائح الكريهة مما اضطر القائمين عليها للتخلص منها برميها في مكبات النفايات والمناطق النائية في كارثة صحية وبيئية وإنسانية يندى لها الجبين.

 وجاء هذا التلف المتعمد للحوم في وقت يتضور فيه أطفال تعز جوعاً ويبحثون عن كسرة خبز أو غرامات قليلة من البروتين ليثبت هذا المشهد الكارثي أن الهدف لم يكن حتى الاستفادة العقلانية بل كان احتجاز المساعدات ومنعها عن المجتمع كنوع من الاحتكار وبسط النفوذ وتفضيل إتلاف النعمة على أن تصل إلى مواطن بسيط لا ينتمي للتيار العقائدي المسيطر.

استراتيجية الترهيب 

عوضاً عن إبداء الندم أو فتح تحقيقات داخلية عاجلة ومحاسبة القيادات الإدارية والخيرية المقصرة والمتورطة في هذه الفضيحة الإنسانية الكبرى سارعت الماكينة الإعلامية والسياسية لتنظيم الإخوان في تعز إلى شن حملة مضادة شرسة تهدف إلى تكميم الأفواه وترهيب الأصوات الحرة التي كشفت الحقيقة للرأي العام حيث برزت قيادات نسوية وسياسية في الحزب تطالب صراحة الأجهزة الأمنية والقضائية الخاضعة لسيطرتهم بفتح تحقيقات جنائية وملاحقة الناشطين والصحفيين والمواطنين الذين وثقوا ونشروا تفاصيل نهب الأضاحي وتلفها وتوجيه تهم العمالة وتشويه السكينة العامة وبث الشائعات لهم. وتكشف هذه الردود السلطوية العنيفة عن عمق المأزق الأخلاقي وضيق الصدر بالانتقاد كما توضح المدى الذي يمكن أن تذهب إليه هذه الجماعة لحماية مصالحها وشبكاتها المالية والخيرية من أي رقابة مجتمعية أو محاسبة قانونية حيث يُراد لمدينة تعز أن تبقى أسيرة لخطاب تضليلي يغطي على الفساد بغلاف الدين والعمل الخيري بينما يعيش المواطن واقعاً مريراً من النهب المنظم لقمة عيشه وقوت أولاده.

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية 

إن انعكاسات هذه الفضيحة لا تتوقف عند الجانب الإنساني اللحظي المرتبط بأيام العيد بل تمتد لتضرب في عمق التماسك الاجتماعي والثقة العامة بالمؤسسات المدنية والخيرية في تعز إذ أدت هذه الممارسات إلى نشوء حالة من الإحباط واليأس بين السكان وفقدان الثقة المطلق في أي مشاريع إغاثية مستقبلية مما يدفع المانحين الدوليين والمحليين ورجال الأعمال إلى مراجعة حساباتهم ووقف تمويلاتهم للمشاريع الخيرية في المدينة خشية وصولها إلى أيدي العابثين والحزبيين وهذا الأمر يهدد بحرمان تعز من قنوات الدعم الحيوي التي تعتمد عليها شريحة واسعة للبقاء على قيد الحياة كما أن تحويل العمل الإغاثي إلى قطاع استثماري وحزبي ضاعف من حدة الأزمة الاقتصادية حيث يسهم في تغذية اقتصاد الظل التابع لتنظيم الإخوان وتمويل أنشطتها السياسية والإعلامية والعسكرية من قوت الفقراء ودماء الأضاحي مما يعوق أي جهود حقيقية للتنمية والتخفيف من حدة الفقر ويسهم في إطالة أمد المعاناة الإنسانية وتحويل المجتمع إلى رهينة دائمة للحاجة والفاقة تحت رحمة قوى النفوذ والسيطرة الميدانية.

صرخة شعبية ومطالب ملحة بإنهاء العبث وتحييد الملف الإنساني عن الصراعات

أمام هذا التغول والعبث الفاضح بمقدرات الضعفاء تعالت الأصوات والمطالبات الشعبية والحقوقية المستقلة في مدينة تعز بضرورة وضع حد نهائي لهذا الاستهتار ورفع يد القوى الحزبية والتنظيمية عن الملف الإغاثي والإنساني بشكل كامل. وتتضمن هذه المطالب الشعبية الملحة ضرورة تشكيل لجان تحقيق مستقلة ومحايدة تضم ممثلين عن منظمات المجتمع المدني الحقوقية ورجال القانون المستقلين لتقصي الحقائق والتحقيق في قضايا الفساد والنهب التي طالت مشاريع الأضاحي والمساعدات ومحاسبة المتورطين وتقديمهم للمحاكمات العلنية، كما تشمل الدعوات إيجاد آليات توزيع جديدة ومبتكرة وإنسانية تضمن صون كرامة المستهدفين وإيصال المساعدات مباشرة إلى منازلهم بعيداً عن عشوائية الطوابير المهينة وبعيداً عن كشوفات الجمعيات الحزبية المؤدلجة وتوجيه الدعم لمن يستحقه بناء على مسوحات ميدانية علمية وشفافة تؤكد الاحتياج الفعلي دون أي اعتبارات سياسية أو مناطقية أو فكرية لأن استمرار الصمت على هذا النهب المنظم يمثل شراكة في الجريمة وتضحية بحاضر ومستقبل آلاف الأسر الساعية للعيش بكرامة وأمان في وطنها المثخن بالجراح والآلام الصامتة التي تستصرخ الضمير الإنساني والمسؤولية الأخلاقية لكل حي ومسؤول في هذا العالم المليء بالتناقضات والمرارات المستمرة ليل نهار في كل زاوية من زوايا تعز الصابرة والمنكوبة بعقليات السلب والاستحواذ الفئوي المقيت والمدمر لشتى مجالات الحياة العامة الإنسانية والمدنية والأخلاقية بشتى المقاييس.

صرخة شعبية ومطالب ملحة بإنهاء العبث وتحييد الملف الإنساني عن الصراعات

أمام هذا التغول والعبث الفاضح بمقدرات الضعفاء تعالت الأصوات والمطالبات الشعبية والحقوقية المستقلة في مدينة تعز بضرورة وضع حد نهائي لهذا الاستهتار ورفع يد القوى الحزبية والتنظيمية عن الملف الإغاثي والإنساني بشكل كامل. وتتضمن هذه المطالب الشعبية الملحة ضرورة تشكيل لجان تحقيق مستقلة ومحايدة تضم ممثلين عن منظمات المجتمع المدني الحقوقية ورجال القانون المستقلين لتقصي الحقائق والتحقيق في قضايا الفساد والنهب التي طالت مشاريع الأضاحي والمساعدات ومحاسبة المتورطين وتقديمهم للمحاكمات العلنية، كما تشمل الدعوات إيجاد آليات توزيع جديدة ومبتكرة وإنسانية تضمن صون كرامة المستهدفين وإيصال المساعدات مباشرة إلى منازلهم بعيداً عن عشوائية الطوابير المهينة وبعيداً عن كشوفات الجمعيات الحزبية المؤدلجة وتوجيه الدعم لمن يستحقه بناء على مسوحات ميدانية علمية وشفافة تؤكد الاحتياج الفعلي دون أي اعتبارات سياسية أو مناطقية أو فكرية، لأن استمرار الصمت على هذا النهب المنظم يمثل شراكة في الجريمة وتضحية بحاضر ومستقبل آلاف الأسر الساعية للعيش بكرامة وأمان في وطنها المثخن بالجراح والآلام الصامتة التي تستصرخ الضمير الإنساني والمسؤولية الأخلاقية لكل حي ومسؤول في هذا العالم المليء بالتناقضات والمرارات المستمرة ليل نهار في كل زاوية من زوايا تعز الصابرة والمنكوبة بعقليات السلب والاستحواذ الفئوي المقيت والمدمر لشتى مجالات الحياة العامة الإنسانية والمدنية والأخلاقية بشتى المقاييس.

نقلا عن خبرللأنباء

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال