يتساءل الكثير من جيل الشباب اليوم عن طبيعة الحياة والأوضاع السياسية والاجتماعية التي عاشها اليمنيون قبل قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م المجيدة.
ومع مرور عقود طويلة، قد يصعب على البعض تخيل تفاصيل "الحكم الإمامي المتوكلي" وكيف كانت تدار البلاد تحت مظلة العصبية السلالية ونظرية الحق الإلهي.
إلا أن المراقبين والمهتمين بالشأن اليمني يجدون اليوم الإجابة الحية والعملية أمام أعينهم؛ فمن أراد أن يفهم الماضي، ما عليه سوى تأمل الواقع المعاش في مناطق سيطرة جماعة الحوثي.
*التشابه في جذور الفكرة والمنهج.*
تعتمد المقارنة بين حكم "بيت حميد الدين" في الماضي وسلطة "الحوثيين" في الحاضر على عدة ركائز جوهرية تجعل الفترتين تبدوان كصورة طبق الأصل في كثير من الأبعاد:
الاستعلاء السلالي (الفرز الطبقي):
قام الفكر الإمامي على احتكار السلطة والثروة وحصر الحكم والامتيازات في سلالة معينة بناءً على "نظرية البطنين".
هذا المفهوم هو عينه المرتكز العقائدي لجماعة الحوثي اليوم، حيث يتم تقسيم المجتمع تراتبياً بناءً على النسب، وإعادة إحياء مفاهيم "السادة والقبائل".
تجهيل المجتمع وتطييف الوعي: تميز العهد الإمامي بفرض عزلة مطبقة على اليمن ومنع التعليم الحديث، مما نشر الجهل والأمية والروح الخرافية.
اليوم، ورغم الانفتاح التكنولوجي، تسعى الجماعة الحوثية إلى تجريف الهوية الوطنية عبر تطييف التعليم، وتغيير المناهج الدراسية، وتحويل المدارس إلى منصات للتعبئة الأيديولوجية لإنتاج جيل يسهل أدلجته وتوجيهه نحو جبهات القتال.
اقتصاد الجباية والتجويع الممنهج: كان المواطن اليمني في عهد الأئمة يرزح تحت وطأة ضرائب جائرة وإتاوات لا تنتهي (كالزكاة، والخطاط، والفطرة) دون تقديم أي خدمات بالمقابل.
وفي الواقع الحالي، يعيش اليمني المعاناة ذاتها؛ حيث نُهبت مرتبات الموظفين لاكثر من عقد من الزمن.
، واستُحدثت جمارك بينية، وضاعفت الجماعة الضرائب تحت مسمى "الخمس" والمناسبات الطائفية المستمرة، فضلاً عن نهب أموال التجار لدعم ما يسمى "المجهود الحربي"، مما أدى إلى أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم.
المشهد الإنساني والاجتماعي:
أدوات القمع العابرة للزمن
إذا نظرنا إلى الروايات التاريخية التي تتحدث عن الثالوث الصادم (الفقر، والجهل، والمرض)، والاعتقالات التعسفية، وسجن "الرهائن" لإجبار القبائل على الطاعة قبل عام 1962، نجد أن هذه الممارسات أُعيد إنتاجها بأدوات العصر. فالسجون المكتظة بالمعارضين والناشطين، وقمع الحريات الصحفية والسياسية، وظاهرة "المشرفين" التي توازي "عُمال الإمام" في الجور، وتفشي الأوبئة مجدداً، كلها شواهد تؤكد أن العقلية الحاكمة لم تتغير، بل استعارت أدوات الماضي وطبقتها بوسائل الحاضر الرقمي.
*الوعي الشعبي وحتمية التغيير.*
إن المقارنة المستمرة التي يعقدها الشارع اليمني اليوم بين حكم الإمامة وسلطة الأمر الواقع الحوثية لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة صدمة الواقع التي أعادت إلى الأذهان الأهداف الستة لثورة 26 سبتمبر.
لقد أدرك اليمني غاية تضحيات آبائه وأجداده عندما رأى بعينه مصادرة حقوقه وأمواله وكرامته وتحويل المواطنين إلى "رعايا" بدلاً من "مواطنين".
خلاصة القول: إن التاريخ لا يكرر نفسه عبثاً، بل يعيد تقديم الدروس لمن لم يستوعبها في المرة الأولى.
وحال الشعب اليمني اليوم هو "مرآة حية" تعكس بدقة مساوئ العهد الإمامي البائد، وتثبت أن النظام الجمهوري، والعدالة الاجتماعية، والمواطنة المتساوية لم تكن ترفاً سياسياً، بل كانت وما زالت ضرورة وجودية وقضية حياة أو موت لا يمكن لليمنيين التخلي عنها.
التصنيف :
تقارير