في المشهد اليمني المعقد، لم تعد القضايا المناطقية تُطرح دائماً بوصفها مطالب حقوقية خالصة، بل باتت في كثير من الأحيان أدوات سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل موازين القوى داخل المعسكر الواحد. ومن أبرز الأمثلة الراهنة ما يُطرح تحت مسمى “القضية التهامية”، والتي يجري توظيفها بشكل لافت من قبل تيارات محسوبة على جماعة الإخوان في اليمن، ليس في مواجهة العدو الحوثي الذي يسيطر فعلياً على معظم محافظة الحديدة، بل في اتجاه مغاير يستهدف قوات المقاومة الوطنية بقيادة الفريق طارق صالح.
هذا التناقض يثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة الدوافع. فالحوثي، الذي يفرض سيطرته على ثلثي الحديدة ويمتد نفوذه إلى أجزاء واسعة من تعز، لا يواجه ذات الحدة من الخطاب المناطقي أو المطالب الحقوقية التهامية، رغم كونه الطرف المسيطر فعلياً على الأرض. في المقابل، يتم تضخيم خطاب “الحقوق التهامية” في المناطق المحررة، خصوصاً في الخوخة والساحل الغربي، حيث تتواجد قوات المقاومة الوطنية.
القراءة السياسية لهذا السلوك تشير إلى أن المسألة تتجاوز البعد الحقوقي، لتدخل في إطار الصراع على النفوذ داخل معسكر الشرعية. فالمقاومة الوطنية تمثل قوة عسكرية ومشروع جمهوري صاعد، لها امتداده وتأثيره، وهو ما يثير قلق بعض الأطراف التي ترى في هذا الصعود تهديداً لمصالحها أو لمشروعها السياسي، خاصة في الساحل الغربي.
ومن هنا، يتم توظيف “القضية التهامية” كأداة ضغط سياسية، عبر إثارة مخاوف تتعلق بالديموغرافيا والتمثيل والحقوق، في محاولة لإضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة الوطنية، أو على الأقل إرباكها وإشغالها بصراعات جانبية. هذا الاستخدام الانتقائي لهذه القضايا يُفقدها مصداقيتها، ويحوّلها من مطالب مشروعة إلى أدوات صراع سياسي.
الأخطر من ذلك، أن هذا النهج يخدم – بشكل غير مباشر – الحوثي، الذي يستفيد من تفكيك خصومه وتشتيت جهودهم. فبدلاً من توحيد الجهود لمواجهة مشروعه وتحرير الشمال واستعادة مؤسسات الدولة والنظام الجمهوري والعاصمة صنعاء، لكن وللأسف الشديد يتم فتح جبهات داخلية قائمة على الشكوك والتخوين والمناطقية، وهو ما يضعف المعسكر يشتت ويضعف الصف الوطني ككل.
الخلاصة، تظل “القضية التهامية” قضية عادلة إذا طُرحت في سياقها الصحيح، كجزء من مشروع وطني جامع يضمن الحقوق المتساوية لكل اليمنيين. أما ان يتم تحويلها إلى أداة استهداف انتقائي مناطقي ضد اطراف معينة، فهو لا يخدم تهامة ولا اليمن، بل يعمّق الانقسام ويطيل أمد الصراع...
التصنيف :
كتابات واراء