تسقط اليوم الخرافة السياسية القديمة حول «الشمال القوي والجنوب الملحق». الواقع الميداني أثبت أن الأزمة اليمنية لم تكن يوماً في جينات الجغرافيا، بل في إفلاس القيادات وعجزها عن بناء دولة محترمة، شمالاً وجنوباً. تحميل الجغرافيا مسؤولية الفشل مجرد هروب مريح من الحقيقة.
في الجنوب، يملك الناس الشارع وقوة الحشد، لكن نخبهم تائهة خلف الكواليس. الخطاب هناك يتأرجح بين انفصال مستحيل المقومات، وفيدرالية هشة، وحسابات مناطقية ضيقة تخشى عدن اليوم كما خشيت صنعاء بالأمس. يتحرك الشارع بحماس، لكنه يُوظَّف كـ «ورقة مناورة» في توازنات إقليمية لا تريد للقضية بلوغ محطة نهائية. الجنوب يملك القضية، لكنه يفتقر إلى الوجهة والنموذج البديل.
الزميل الأستاذ نبيل الصوفي أصاب في التقاط هذه المفارقة حين تحدث عن «بلدوزر» الجنوب الجماهيري مقابل تبدد نضال الشمال. لكن الأزمة أعمق من لوم القيادات؛ الشمال يعيش أزمة بديل، والجنوب يعيش أزمة وجهة.
في صنعاء، بنى الحوثيون سلطة أمر واقع حديدية، وأحكموا قبضتهم على الأمن والموارد وسط بؤس الناس. المجتمع هناك لم يستسلم؛ والمقاومة الصامتة والتهرب من التجنيد مستمران.
لكن هذا السخط كله لا يتحول إلى حراك سياسي لسبب واحد: غياب البديل الموثوق. المواطن يطرح السؤال البسيط: «من البديل؟»، ولا يجد إجابة مقنعة.
المعادلة شديدة القسوة؛ الحوثي مرعب لكنه سلطة ملموسة في تفاصيل الحياة وطابور الغاز، بينما «الشرعية» كيان مغترب يمارس فضيلة الانتظار من غرف الفنادق وعواصم الشتات.
حين يُطالب المواطن المنهك بالانتفاض، يحسبها بمنطق الكلفة والجدوى: لماذا يضحي بدمه ليستبدل قمعاً منظماً بفساد مشتت ومغترب؟ معسكر الحكومة فشل تماماً في تقديم نفسه كخيار أفضل؛ لا في إدارة مناطقه، ولا في تقديم رؤية تطمئن الناس.
هنا المعضلة الحقيقية: شمال بلا مشروع، وجنوب بلا وجهة. وبينهما حكومة هشة يمارس المجتمع الدولي معها لعبة «خطوات السلام»، وهي مجرد حرث في البحر وكلام للاستهلاك.
أي تسوية جادة تتطلب الإجابة عن السؤال التأسيسي قبل توزيع كراسي المحاصصة: ما هي الدولة التي يريدها اليمنيون؟ وبأي صيغة سياسية؟
بدلاً من الأسئلة العاطفية المكررة: «لماذا لا ينتفض الشمال؟» و«لماذا يعرقل الجنوب الوحدة؟»، الأجدى هو مواجهة الحقيقة العارية؛ الذهاب إلى عقد سياسي جديد، أو الاتفاق بهدوء على انفصال منظم وقواعد مستقرة. دون ذلك، سيبقى الجنوب يلوح بقضية بلا سقف، والشمال يتعايش مرغماً مع سلطة بلا أفق.
وسيندفع اليمن كله نحو فوضى مستدامة توزع حصصها بالتساوي بين شمال بلا مشروع.. وجنوب بلا وجهة.
التصنيف :
كتابات واراء