عرف اليمن عبر تاريخه الطويل بأنه بلد العلم والفقه والإيمان والقرآن، وموطن العلم الذي نشر الإسلام بمفهومه الوسطي المعتدل في أرجاء واسعة من العالم الإسلامي، ولم يعرف اليمنيون في تاريخهم ما نشاهده اليوم من طقوس اللطم والنواح والحسينيات والممارسات الطائفية التي تسعى المليشيات الحوثية المدعومة من إيران إلى فرضها على المجتمع تحت شعارات دينية ظاهرها المحبة لآل البيت وباطنها خدمة مشروع فارسي سياسي وعقدي دخيل على اليمن وأهله.
وفي كل عام تتجدد محاولات المليشيات الحوثية لاستغلال مناسبة عاشوراء لتحويلها من عبادة شرعية ثابتة في السنة النبوية إلى موسم للتحشيد وترسيخ الولاء لهم والحزن واللطميات واستحضار روايات خرافية وقصص يتم توظيفها لإثارة العواطف وتغذية الانقسام الطائفي، ويكفي أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء شكراً لله على نجاة موسى عليه السلام وقومه من فرعون، فقال: «نحن أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه. متفق عليه.
أما الصورة التي تروج لها المليشيات الحوثية اليوم فلم يعرفها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا التابعون لهم ولا أئمة الإسلام عبر القرون. فلم يُنقل عنهم أنهم اتخذوا عاشوراء موسماً للطم الخدود أو شق الجيوب أو ضرب الأجساد أو إقامة المآتم والحسينيات أو استدعاء مشاهد الحزن الجماعي التي بدأت بالظهور تدريجيًا في المقايل والأوساط اليمنية المتأثرة بالأفكار الإثني عشرية كما نشاهدها في بعض البيئات المرتبطة بالمشروع الإيراني.
والسنة الثابتة في عاشوراء هي الصيام، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» رواه مسلم، كما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى مخالفة اليهود بصيام يوم قبله، ففي صحيح مسلم أنه قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، ولهذا قرر أهل العلم أن مراتب صيام عاشوراء ثلاث: صيام التاسع والعاشر، وهو الأكمل، أو صيام العاشر والحادي عشر، أو إفراد العاشر بالصيام.
إن الخطر الحقيقي لهذه الطقوس الخرافية تمتد إلى ما وراءها من مشروع يستهدف إعادة تشكيل الهوية الدينية والثقافية للمجتمع اليمني، فالحرس الثوري الإيراني لا يتعامل مع الإعلام والمساجد والمدارس والمراكز الثقافية باعتبارها مؤسسات توعية فحسب، وإنما أدوات تأثير طويلة المدى لإنتاج جيل مرتبط بفكر الجماعة ومشروعها السياسي، ولهذا نرى المليشيات تسخر المنابر والخطب والأنشطة المدرسية والفعاليات الجماهيرية ووسائل الإعلام المختلفة لترسيخ مفاهيم طائفية لم ولن تكون جزءاً من الثقافة اليمنية المعروفة.
لقد عاش اليمنيون قروناً طويلة وهم يجتمعون على محبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام جميعاً دون أن يتحول ذلك إلى صراعات مذهبية أو مناسبات للفرقة والاقتتال، أما الفكر الذي تحاول المليشيات ترسيخه اليوم فيقوم على إعادة قراءة التاريخ بطريقة انتقائية تخدم أهدافاً سياسية معاصرة، وتدفع الأجيال الجديدة إلى الانشغال بمعارك الماضي بدلاً من مواجهة تحديات الحاضر وبناء المستقبل.
ومن واجب العلماء والخطباء والمثقفين والإعلاميين أن يبينوا للناس حقيقة هذه الممارسات، وأن يوضحوا الفرق بين الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وبين هذه البدع والخرافات و الطقوس التي أُحدثت عبر قرون من الصراعات السياسية والمذهبية، كما أن مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية تزداد أهمية في هذه المرحلة لحماية النشء من حملات التعبئة الفكرية الفارسية التي تستهدف عقولهم وهويتهم.
إن عاشوراء في الإسلام يوم عبادة وشكر لله تعالى وصيام وتقرب إليه، وليس يوماً للضرب والنواح وإحياء الأحقاد أو استيراد الممارسات الدخيلة على عقيدة المسلمين، وكلما ازداد وعي المجتمع بحقيقة دينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم تراجعت قدرة المشاريع الطائفية على اختراقه والتأثير في هويته ووحدته واستقراره.
نسأل الله أن يحفظ اليمن وجميع بلاد المسلمين من شر أحقاد الروافض التي يستحضرها النظام الفارسي كل عام؛ لإشغال الناس بالصراعات الطائفية عن مرحلة البناء والتنمية والاستقرار والرخاء، واستثمار طاقات الشباب في ماينفعهم في دينهم ودنياهم.
*وزير الأوقاف والإرشاد*★
التصنيف :
كتابات واراء