النكف القبلي وتحول موازين الصراع في اليمن عادل الهرش


خلال السنوات الماضية، تعاملت مليشيا العدو الحوثي مع الانتفاضات القبلية بمنطق التفكيك والعزل، كما حدث في حجور والبيضاء، حيث جرى استهداف تلك المناطق باعتبارها بؤراً منفصلة يمكن احتواؤها عسكرياً وإعلامياً دون أن تتحول إلى تهديد شامل. وقد نجح الحوثي حينها في إخماد تلك التحركات نتيجة غياب الحاضنة الواسعة والتنسيق القبلي العام، إضافة إلى ضعف موقف الشرعية الرسمي وتردده.

غير أن المشهد الراهن يبدو مختلفاً بصورة جوهرية. فالدعوة إلى النكف القبلي التي أطلقها الشيخ حمد فدغم لا تنحصر في نطاق جغرافي ضيق، بل تتجاوز ذلك لتأخذ طابعاً قبلياً واسعاً يشمل امتدادات متعددة من القبائل اليمنية. هذا التحول النوعي ينقل الحدث من كونه تمرداً محلياً إلى حالة اصطفاف قبلي عابر للمناطق، وهو ما يضع الحوثي أمام معادلة أكثر تعقيداً.

تكمن خطورة هذا الحراك بالنسبة للحوثي في أنه لا يواجه طرفاً محدداً يمكن عزله وضربه، بل يواجه شبكة اجتماعية قبلية مترابطة، حيث أي استهداف مباشر قد يؤدي إلى تفجير ردود فعل متسلسلة يصعب احتواؤها. ومن هنا يمكن تفسير حالة الحذر التي يبديها الحوثيون حتى الآن، إذ أن أي مغامرة عسكرية غير محسوبة قد تفتح جبهات متعددة في آن واحد، خصوصاً في مناطق حساسة مثل الجوف ومحيطها، والتي قد تتحول سريعاً إلى بؤر اشتعال.

إذا تطور هذا النكف واستمر في التوسع، فإنه قد يشكل نقطة تحول استراتيجية في مسار الصراع، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل من حيث إعادة إحياء الدور القبلي كفاعل رئيسي في مواجهة مشروع الحوثي. كما أن هذا الحراك قد يعوض جزئياً حالة الشلل التي تعاني منها مؤسسات الشرعية، والتي تبدو حتى الآن مقيدة القرار وغير قادرة على استثمار الفرص الميدانية.

السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في أن استمرار هذا الزخم القبلي، إذا ما ترافق مع حد أدنى من التنظيم والدعم، قد يخلق بيئة تصعيد تدريجي تتحول معها بعض الجبهات إلى نقاط انطلاق لتحرير مناطق أوسع في الشمال، وصولاً إلى تخوم صنعاء. إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بقدرة القبائل على الحفاظ على وحدة موقفها، وتجنب الاختراقات، وتحويل الحشد القبلي إلى فعل منظم لا مجرد ردة فعل آنية.

في المحصلة، يقف الحوثي أمام اختبار حساس: إما الاحتواء الحذر لهذا الحراك، أو المجازفة بمواجهته بما قد يفتح عليه بالفعل أبواباً يصعب إغلاقها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال